أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٩٧ - ١- حجّية الظواهر
و لا فرق عندهم بين الصورتين كما تشهد عليه شواهد كثيرة:
منها: أنّ القضاة لا يزالون يستندون إلى الشرائط التي حصلوا عليها من ناحية شخص أقرّ صديقه بشيء عنده مع أنّه هو المقصود بالإفهام.
و منها: اعتمادهم بسجلّات الأوقاف حتّى في ما إذا كان المخاطب فيها شخص المتولّي أو خصوص إنسان آخر.
و منها: اعتمادهم بالمكالمات التلفونية أو المكاتبات السرّية التي يكون غير المخاطب فيها مقصوداً بالإخفاء فضلًا عن عدم كونه مقصوداً بالإفهام و استدلالهم بها. هذا أوّلًا.
و ثانياً: سلّمنا باختصاص حجّية الظواهر بمن قصد إفهامه إلّا أنّه لا تترتّب عليه ثمرة بالنسبة إلى خطابات القرآن و الرّوايات.
أمّا الاولى: فلأنّ القرآن خاتم الكتب السماويّة و لا إشكال في أنّ المقصود بالإفهام من خطاباتهم جميع الناس إلى الأبد، و لذلك ورد الأمر بالترتيل عند قراءتها و إجابة خطاباتها بقول القاري «لبّيك ربّنا».
و أمّا الثانية: فلأنّها على قسمين: قسم يكون من قبيل تأليف المؤلّفين للكتب التي ليس المقصود بالإفهام فيها شخصاً خاصّاً أو أشخاصاً معينين، و لا إشكال فيها للمحقّق القمّي (رحمه الله) نفسه أيضاً، و قسم آخر لا يكون كذلك إلّا أنّ عدالة الراوي أو وثاقته و أمانته في النقل تقتضي نقل القرائن التي دخيلة في الفهم من الرّواية أيضاً بحيث يعدّ عدم نقله إيّاها من الخيانة في النقل.
فتلخّص أنّ كلامه مضافاً إلى عدم تناسبه مع الدليل المعتبر في حجّية الظواهر لا تترتّب عليه ثمرة في ما بأيدينا من آيات الكتاب و أخبار السنّة.
هذا كلّه في الأمر الثاني.
أمّا الأمر الثالث: و هو حجّية ظواهر كتاب اللَّه مستقلًا فالمعروف و المشهور بين أصحابنا الإماميّة هو الحجّية، و أنكرها جماعة من الأخباريين، و قالوا بعدم حجّيتها قبل ورود تفسير الأئمّة المعصومين، و هذا التفريط الذي يقصر الحجّة في الرّواية انعكاس في الواقع لإفراط من قال: «حسبنا كتاب اللَّه»، و كلّ واحد منهما جائر عن سواء السبيل.
و كيف كان، قبل بيان أدلّة الأخباريين لا بدّ من ذكر الأدلّة التي تدلّ على حجّية ظواهر