أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٧٩ - الأمر الرابع في أنّ للعموم صيغة تخصّه
الأمر الثالث: في الفرق بين العام و المطلق
ما هو الفرق بين العام و المطلق مع أنّ المطلق أيضاً ينقسم إلى قسمين: إطلاق شمولي استغراقي و إطلاق شمولي بدلي، و الأوّل نحو قوله تعالى: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» و الثاني كقولك «أكرم عالماً»؟
المشهور بين الأعلام كما عرفت أنّ التفاوت بينهما أنّ العام يستفاد الشمول فيه من اللفظ، و أمّا في المطلق فيستفاد الشمول من مقدّمات الحكمة، نعم قد خالف في ذلك في التهذيب بعد أن نقل هذا الفرق من بعض الأعاظم و منع عن ذلك أشدّ المنع، و حاصل كلامه: إنّ العام و المطلق يفترقان حقيقة و لهما مفهومان متفاوتان لأنّ العام يشمل جميع الأفراد، و أمّا المطلق فليس له شمول بل هو عبارة عن أنّ تمام موضوع الحكم هو الطبيعة لا بشرط و لا ينظر فيه إلى الفرد أصلًا، ففي قولك «أعتق رقبة» يكون النظر كلّه إلى طبيعة الرقبة فقط من دون ملاحظة أفرادها، نعم يلاحظ الفرد و يتوجّه إليه لانطباق الطبيعة عليه.
أقول: هاهنا نكتتان يجب الالتفات إليهما:
إحداهما: إنّ الطبيعة الملحوظة في كلامه هل هي الطبيعة الموجودة في الذهن أو الطبيعة الموجودة في الخارج؟ فإن كان المقصود الطبيعة الموجودة في الذهن فهي ليست مطلوبة للمولى بلا إشكال، و إن كان المراد الموجودة في الخارج فيلاحظ الفرد حينئذٍ و ينظر إليه لا محالة كما لا يخفى.
ثانيهما: إنّا لا نفهم معنى الانطباق في كلامه، فإمّا أن يكون الفرد الذي تنطبق عليه الطبيعة مأموراً به أو لا يكون، و الأوّل يستلزم الحكم بأنّ الطبيعة إنّما لوحظت بما هي مرآة إلى الخارج لا بما هي هي، و الثاني يستلزم كون الطبيعة بما هي هي مقصودة، و هو كما ترى، لأنّ الطبيعة بما هي هي مع قطع النظر عن وجودها في الخارج لا تكون منشأً للأثر و لا تترتّب عليها المصالح و المفاسد حتّى يريدها المولى أو يكرهها و يأمر بها أو ينهى عنها.
الأمر الرابع: في أنّ للعموم صيغة تخصّه
و يستدلّ له بالتبادر فإنّه لا إشكال في أنّ المتبادر من ألفاظ من قبيل لفظ «كلّ» العموم.