أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٧٨ - الأمر الثاني في أقسام العام
بل بأن نقول: إنّ لفظ «كلّ» صار حقيقة في العام الاستغراقي و لا بدّ لاستعماله في المجموعي إلى نصب قرينة، و حين الشكّ فيها نرجع إلى معناه الحقيقي و هو العموم الاستغراقي.
الثاني: أنّ ما أفاده (قدس سره) يتصوّر فيما إذا كان الدالّ على العموم لفظاً من ألفاظ العموم، أمّا إذا استفدنا العموم من دليل لبّي فلا يمكن التمسّك بأصل لفظي و حينئذٍ إذا شككنا في أنّ العموم استغراقي أو مجموعي يكون المرجع هو الأصل العملي، و قد توهّم بعض أنّه هو أصل البراءة لأنّ الشكّ في المقام يرجع إلى الشكّ في الشرطيّة و الجزئيّة (فهو في الواقع شكّ في اشتراط الجميع بالجميع) و الأصل فيهما هو البراءة كما قرّر في محلّه.
لكن الإنصاف أنّ الأصل في مثل هذه الموارد قاعدة الاشتغال لأنّ البراءة تجري فيما إذا كان في البين قدر متيقّن و شككنا في وجوب الزائد عنه، و أمّا في المقام فيكون أصل تعلّق الوجوب بجميع الأفراد يقينياً و إنّما الشكّ في كيفية التعلّق، كما إذا شككنا في شهر رمضان مثلًا في أنّ كلّ يوم من أيّامه يكون الصّيام فيه واجباً مستقلًا أو يكون مشروطاً بإتيان الباقي فيكون المجموع واجباً واحداً؟ مع كون أصل تعلّق الوجوب بكلّ فرد يقينياً، فحينئذٍ الأصل هو قاعدة الاشتغال لا البراءة كما لا يخفى.
هذا إذا كان العبد قادراً على إتيان الجميع، أمّا إذا كان قادراً على بعض دون بعض من بداية الأمر كما إذا قال المولى أكرم العلماء و كان الإكرام واجباً موسّعاً و العبد لا يقدر على إكرام الجميع من أوّل الأمر فالأصل هو البراءة، لأنّه إن كان الوجوب على نهج العام المجموعي يكون التكليف ساقطاً، و إن كان استغراقياً يكون وجوب البعض المقدور عليه ثابتاً، فيصير الشكّ بالنسبة إلى وجوب البعض الآخر بدويّاً، و الأصل عندئذ هو البراءة، و أمّا إذا كان قادراً على الجميع من البداية فطرأ العجز بعد ثبوت التكليف فالأصل هو الاستصحاب إذا لم يصل البعض غير المقدور إلى حدّ يوجب خروج موضوع المستصحب عن الوحدة العرفيّة و كانت وحدة الموضوع محفوظةً.