أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥٦ - أمّا الطائفة الثالثة التي تدلّ على انحصار الحجّة الشرعيّة بالنقل
أمّا الطائفة الثالثة: التي تدلّ على انحصار الحجّة الشرعيّة بالنقل
فمنها: ما روي عن أمير المؤمنين ٧: «من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال، و من أخذ دينه من الكتاب و السنّة زالت الجبال و لم يزل» [١].
و منها: ما روي عن حريز: «أنّ أبا حنيفة قال له: أنت لا تقول شيئاً إلّا برواية قال: أجل» فهو يدلّ على أنّ مثل حريز الذي كان من كبار أصحاب الصادق ٧ و خواصّهم لا يقول شيئاً إلّا برواية و لا حجّة عنده إلّا الرّواية [٢].
و الجواب عنها أيضاً هو الجواب عن الطائفتين السابقتين، فلا بدّ من ملاحظة خصوصيّات تلك الأعصار حتّى يثبت لنا أنّ مراد أبي حنيفة في قوله «أنت لا تقول شيئاً إلّا برواية» عدم اعتناء حريز بالقياس و الاستحسان، حيث إنّه لا ريب في أنّ الحريز أيضاً كان يعمل بحكم العقل في تقديم الأهمّ على المهمّ مثلًا و التمسّك بالكذب لنجاة مؤمن لو ابتلى به، و إن لم يصدر فيه من جانب الإمام ٧ رواية، كما أنّ المراد من أخذ الدين من أفواه الرجال أيضاً ليس إلّا أخذه من القياسات الظنّية و الاستحسانات غير القطعيّة.
أضف إلى ذلك ما رواه ابن أبي ليلى عن أبي عبد الله ٧ أنّه قال لأبي حنيفة: «فدع الرأي و القياس و ما قال قوم في دين اللَّه ليس له برهان» [٣] فإنّها تشهد على أنّ مقصود هذه الطائفة من الأخذ بالرواية هو الاجتناب عن الآراء الظنّية، حيث إنّها تعبّر عن الرأي القياس ب «ما ليس له برهان».
هذا كلّه في الوجوه التي استدلّ بها الأخباريون لمرامهم.
ثمّ إنّ المحقّق النائيني (رحمه الله) أضاف إليها وجهاً رابعاً، و حاصله: أنّا نحتمل كون حجّية دليل العقل من جانب الشارع مشروطاً بوساطة من جانب الأئمّة المعصومين (صلوات اللَّه عليهم)، و بعبارة اخرى: أنّ دليل العقل يدلّ على الحكم الشأني لا الفعلي و يصل إلى مرحلة الفعليّة إذا ايّد بالكتاب أو السنّة، و مجرّد وجود هذا الاحتمال يوجب بطلان الاستدلال بالأدلّة العقليّة.
و أجاب عنه بالقول: «أنّ العقل بعد ما أدرك المصلحة الملزمة في شيء كالكذب المنجي
[١] وسائل الشيعة: ح ٢٢، الباب ١٠، من أبواب صفات القاضي.
[٢] المصدر السابق: ح ٣٢، الباب ١١.
[٣] المصدر السابق: ح ٣٣، الباب ١٠.