أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٩ - الأمر الثالث في تأسيس الأصل في المسألة
أقول: أمّا الإجماع فلا يخفى أنّه في مثل المقام مدركي يرجع إلى سائر الأدلّة فلا اعتبار به مستقلًا، و أمّا السنّة فقد نوقش فيها بأنّ مقام القضاء مقام خاصّ، و للشارع اهتمام خاصّ به، فيكون الدليل أخصّ من المدّعى، كما ناقش فيها في تهذيب الاصول بأنّ مقام القضاء مقام إنشاء الحكم لا إسناده إلى اللَّه تعالى، أي أنّ القاضي إنّما يقول: «حكمت و قضيت بكذا و كذا» و لا يقول: «اللَّه يقول كذا و كذا» [١].
لكن يرد عليه (على مناقشة تهذيب الاصول): أنّ القضاء إنشاء يلازم الإخبار عن الشارع، لأنّ القاضي قام على منصب القضاء الشرعي، و كأنّه يقول: أنّي أحكم بكذا و كذا لأنّي من قضاة الشرع و منصوباً من قبل الشارع، فإنشاؤه حينئذٍ لا ينفكّ عن الإخبار.
و لكن الأنسب و الأولى للشيخ (قدس سره) أن يستدلّ بما ورد في نفس الباب (أي الباب ٤ من أبواب صفات القاضي) من دون أن يكون مختصّاً بباب القضاء، و هي ثلاث روايات:
أوّلها: ما رواه زياد بن أبي رجاء عن أبي جعفر ٧ قال: «ما علمتم فقولوا: و ما لم تعلموا فقولوا: اللَّه أعلم، أنّ الرجل ينتزع الآية يخرّ فيها أبعد ما بين السماء» [٢].
ثانيها: ما رواه مفضّل بن فريد (يزيد) قال: قال أبو عبد الله ٧: «أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال: أنهاك أن تدين اللَّه بالباطل و تفتي الناس بما لا تعلم» [٣].
ثالثها: ما رواه عبد الرحمان بن الحجّاج قال: قال لي أبو عبد الله ٧: «إيّاك و خصلتين ففيهما هلك من هلك: إيّاك أن تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم» [٤].
و أمّا دليل العقل فهو شبيه بما استدلّ به المحقّق الخراساني (رحمه الله)، يعني ضرورة العقل و الوجدان، و على أي حال فقد ظهر ممّا ذكر أنّ الأصل هو عدم حجّية الظنّ إلّا ما خرج بالدليل.
[١] راجع تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٨٥، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] وسائل الشيعة: الباب ٤، من أبواب صفات القاضي، ح ٥.
[٣] المصدر السابق: ح ٢.
[٤] المصدر السابق: ح ٣.