أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٣ - الأقوال في المسألة
قلنا: البحث في القصاص و الدّيات خارج عن محلّ النزاع، لأنّ النزاع في العقاب و عدمه، و نفي القصاص عنه في الدنيا لمصلحة خاصّة أو مفسدة خاصّة لا يلازم نفي العقاب في الآخرة، مضافاً إلى أنّ أحكام الحدود و الدّيات و القصاص لا تصاب بالعقول كما يشهد عليه قصّة أبان، فإنّ الحدّ مثلًا ثابت بالنسبة إلى معصية و غير ثابت بالنسبة إلى معصية اخرى أشدّ منها ظاهراً.
هذه هي أدلّة منكري الملازمة مع الجواب عن كلّ منها على حدة، و يمكن الجواب عن جميعها بالنقض بوجوب النظر في معجزة من يدّعي النبوّة و يقول: «انظروا في معجزتي لتعلموا صدقي» فلا إشكال في وجوب النظر عقلًا، و لو أنكرنا الملازمة و قلنا بلزوم الاكتفاء بالشرع لزم عدم وجوب هذا النظر و سدّ باب دعوة الأنبياء.
هذا كلّه في القول الثاني و هو إنكار الملازمة مطلقاً.
و أمّا القول الثالث: و هو ما ذهب إليه صاحب الفصول (من التفصيل بين حكم العقل بحسن التكليف و حكمه بحسن الفعل و أنّ الملازمة ثابتة في الأوّل دون الثاني) فقد ذكر لذلك وجوهاً:
أحدها: حسن التكليف الابتلائي فإنّ الضرورة قاضية بحسن أمر المولى عبده بما لا يستحقّ فاعله (من حيث إنّه فاعله) المدح في نظره استخباراً لأمر العبد أو إظهاراً لحاله عند غيره، و لو كان حسن التكليف مقصوراً على حسن الفعل لما حسن ذلك.
و حاصله: أنّ الأوامر الامتحانيّة ممّا لا يمكن إنكارها مع عدم وجود الحسن في نفس الفعل بل في التكليف.
و الجواب عن هذا الوجه يتمّ بذكر أمرين:
الأمر الأول: أنّه فرق بين الامتحانات الإلهية و الامتحانات الواقعة من جانب الموالي العرفيّة، لأنّ الاولى ليست للاستخبار و لا معنى له فيها لأنّ اللَّه تبارك و تعالى عالم السرّ و الخفيّات، بل إنّها أسباب تربوية لتكامل العباد و رشدهم و بمنزلة تمرينات يعمل بها قبل الورود في ميدان المسابقات، التي تعدّ نوعاً من التقوية و التهيّؤ الروحاني نظير التهيّؤ الجسماني، فتكون المصلحة في نفس الفعل و المقدّمات التي تتحقّق في الخارج، فإنّ جميعها تحوي على المصلحة، و المصلحة هي ما ذكر من التعليم و التربية و التقوية الروحانيّة كما حصلت لإبراهيم