أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٤ - الأقوال في المسألة
في قصّة ذبحه لإسماعيل أشار إليه تبارك و تعالى بقوله: «وَ إِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» [١]، فإنّ المصلحة فيها موجودة في الفعل، أي في جميع المقدّمات قبل حصول ذي المقدّمة و الوصول إليها، فإذا وصلت إلى ذي المقدّمة منع عن تحقّقه مانع من جانب اللَّه تعالى.
الأمر الثاني: و إن أبيت عن ما ذكر (من وجود المصلحة في الفعل) فنقول: الأوامر الامتحانية خارجة عن محلّ النزاع، لأنّ النزاع في الأوامر الجدّية التي تنشأ عن جدٍّ، و الأوامر الامتحانية إنشاءات صادرة بالإرادة الاستعماليّة بداعي الامتحان لا بداعي الجدّ.
ثانيها: التكاليف التي ترد مورد التقيّة إذا لم يكن في نفس العمل تقيّة فإنّ إمكانها بل وقوعها في الأخبار المأثورة عن الأئمّة الأطهار : ممّا لا يكاد يعتريه شوب الإنكار، و إن منعنا وقوعه في حقّه تعالى بل و في حقّ النبي ٦ أيضاً فإنّ تلك التكاليف متّصفة بالحسن و الرجحان لما فيها من صون المكلّف أو المكلَّف عن مكائد الأعادي و شرورهم و إن تجرّد ما كلّف به عن الحسن الابتدائي.
و الجواب عنه هو الجواب عن الوجه الأوّل، فإنّ هذا القسم من الأوامر أيضاً خارجة عن محلّ النزاع لخلوّها عن الإرادة الجدّية.
ثالثها: أنّ كثيراً من الأحكام المقرّرة في الشريعة معلّلة في الحقيقة و لو بحسب الظنّ أو الاحتمال بحكم غير مطرد في جميع مواردها، و مع ذلك فقد حافظ الشارع على عمومها و كلّيتها حذراً من الأداء إلى الاخلال بموارد الحكم كتشريع العدّة لحفظ الأنساب من الاختلاط حيث أثبتها الشارع بشرائطها على سبيل الكلّية حتّى مع القطع بعدم النسب أو بعدم الاختلاط كما في المطلّقة المدخول بها دبراً أو مجرّداً عن الإنزال و الغائب عنها زوجها أو المتروك وطيها مدّة الحمل و غير ذلك.
و فيه: أنّه يظهر بالتأمّل و الدقّة في هذه الموارد أنّ الفعل أيضاً حسن و ذو مصلحة لأنّ العدّة في موارد القطع بعدم الاختلاط مثلًا يوجب الممارسة و التربية لإحراز القانون و حفظها في موارد الاختلاط و الالتباس، فله حسن مقدّمي غيري نظير رعاية مقرّرات السياقة في جوف
[١] سورة البقرة: الآية ١٢٤.