أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٨٦ - المقام الثالث في دلالة المطلق على الشمول و السريان و بيان مقدّمات الحكمة
و كيف كان، فالإنصاف في المسألة بطلان ما نسب إليهم و أنّ الصحيح كون الشياع مستفاداً من مقدّمات الحكمة و ذلك لوجهين:
أحدهما: التبادر فإنّ المتبادر من إطلاق اسم الجنس مثل لفظ الإنسان مثلًا صرف الطبيعة مجرّدة عن سريانها في أفرادها، و كذلك في النكرة كقولك «رأيت إنساناً».
ثانيهما: أنّ الوضع يستلزم المجاز فيما إذا استعمل المطلق في المقيّد نحو «جئني برجل عالم» مع أنّه خلاف الوجدان.
و أمّا «مقدّمات الحكمة فما هي؟» فاختلفت كلمات الأصحاب في تعدادها فقيل أنّها أربعة:
أحدها: كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد ثانيها: عدم بيان القيد، ثالثها: عدم الانصراف، رابعها: عدم وجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب.
و المحقّق الخراساني (رحمه الله) جعلها ثلاث مقدّمات بادغام المقدّمة الثالثة في الثانية. بقوله:
«ثانيها انتفاء ما يوجب التعيين» فإنّ الانصراف أيضاً ممّا يوجب التعيين كالقيد كما لا يخفى.
و حذف المحقّق النائيني (رحمه الله) المقدّمة الأخيرة (و هي عدم وجود القدر المتيقّن) فالمقبول من المقدّمات الأربعة عنده اثنتان: إحداهما: كون المتكلّم في مقام البيان، ثانيهما: انتفاء ما يوجب التعيين، لكنّه أضاف إليهما مقدّمة اخرى و هي أن يكون متعلّق الحكم أو موضوعه قابلًا للتقييد، و هو ناظر فيها إلى التقسيمات اللاحقة عن الأمر كانقسام الواجب إلى ما يقصد به امتثال أمره و ما يقصد فيه ذلك و انقسام المكلّف إلى العالم و الجاهل بالحكم، فحيث إنّه لا يمكن مثلًا تقييد متعلّق الأمر بقصد الأمر على رأيه لما هو معروف من إشكال الدور لا يمكن الأخذ بإطلاقه أيضاً.
و هنا مذهب آخر يستفاد من كلمات شيخنا الحائري في الدرر و هو حذف المقدّمة الاولى أيضاً، فاللازم البحث عن كلّ واحد من هذه المقدّمات الخمسة حتّى يعلم ما يصحّ اعتباره و ما لا يصحّ.
فنقول: أمّا المقدّمة الاولى: فهي لازمة بالوجدان حيث إن الوجدان أقوى شاهد على عدم صحّة الأخذ بإطلاق كلام المولى إذا لم يكن في مقام بيان تمام المراد، فإذا قال مثلًا، «اشتر لي ثوباً» أو «اشتر أثاثاً للبيت» فلا يصحّ للعبد أن يشتري من السوق لباساً أو أثاثاً أيّاماً كان و يتمسّك عند الاحتجاج بإطلاق كلامه، نعم إذا شكّ في أنّ المتكلّم هل كان في مقام بيان تمام