أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٢٤ - الفصل السادس الكلام في الخطابات الشفاهيّة
فظهر ممّا ذكرنا عدم تماميّة تفصيل المحقّق النائيني (رحمه الله) في الخطابات الشفاهيّة بين القضايا الحقيقيّة و الخارجيّة بأنّ الاولى تشمل الغائب و المعدوم و الثانية لا تشملهما، لأنّ حقيقة الخطاب و هي توجيه الكلام إلى الغير موجودة في كلتا القضيتين، و قد ردّ تفصيله في تهذيب الاصول بعد ذكر مقدّمات فكلامه تامّ من هذه الجهة.
هذا كلّه في التفصيل بين القضايا الخارجيّة و الحقيقيّة.
و هنا تفصيل آخر و هو بين الخطابات الإلهية و غير الإلهية، ببيان أنّ الاولى شاملة للغائبين و المعدومين، لأنّ اللَّه محيط بكلّ شيء و كلّ شيء حاضر عنده بخلاف الثانية.
و أجاب عنه المحقّق الخراساني (رحمه الله) بأنّه يعتبر في الخطاب ثلاثة أشياء: المخاطب (بالكسر) و المخاطب (بالفتح) و أداة الخطاب، و في الخطابات الإلهية و إن لم يكن نقص بالنسبة إلى الأمر الأوّل، أي المخاطب (بالكسر) و لكنّه موجود بالنسبة إلى الأمر الثاني و الثالث.
و للمحقّق الأصفهاني (رحمه الله) هنا تفصيل في هذا التفصيل، و هو أنّ الخطابات الإلهيّة تشمل الغائبين دون المعدومين، و أمّا الخطابات البشريّة فلا تشمل المعدومين و الغائبين معاً، و الدليل هو إحاطته تعالى بالغائبين، و أمّا عدم حضورهم و عدم فهمهم لخطابه فلا ضير فيه بل اللازم هو نوع اجتماع بين المخاطِب و المخاطَب إمّا في مكان واحد أو بحكمه أو الإحاطة الإلهية [١].
أقول: هنا مطلبان:
الأوّل: أنّه لا بدّ في صحّة الخطاب و كونه حقيقياً الإفهام و الانفهام و لو في ظرف وصوله (و إلّا يكون إنشائيّاً) من دون الفرق بين الخطابات الإلهية و غيرها، و الحاكم بهذا هو العرف و الوجدان.
الثاني: في المقصود من إحاطة اللَّه بالمعدومين: فقد قرّر في محلّه أنّ عدم علمه بالمعدومين يوجب النقص في ذاته تبارك و تعالى عن ذلك و لكن قد يستشكل بأنّ علمه بهم إمّا أن يكون حصولياً و ارتسامياً أو يكون حضوريّاً، و الأوّل محال لاستلزامه الارتسام في ذاته، مضافاً إلى أنّه لا إشكال في أنّ علمه بالأشياء يكون بذاتها لا بصورتها، و إن كان حضوريّاً فلا يشمل المعدومين لأنّهم ليسوا موجودين حتّى يكونوا حاضرين عنده تعالى.
[١] راجع نهاية الدراية: ج ١، ص ٣٤٧.