أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٤٦ - الأمر الثالث في اختلاف القراءات
ينقلان عن قارئهما مع واسطة إلّا راوى عاصم.
و هكذا بالنسبة إلى المرحلة الثانية لأنّه في عصر عاصم مثلًا لا يعيش من القرّاء المعروفين أحد إلّا شخص عاصم، و كذلك بالنسبة إلى المرحلة الثالثة لأنّ هؤلاء القرّاء تولّدوا بعد مدّة طويلة بعد النبي ٦ و لا دليل على وجود التواتر بينه و بينهم.
نعم نعلم إجمالًا بكون كثير من هذه القراءات مشهورة بين الناس، و لكن هذا المقدار من الشهرة غير كافٍ في إثبات المقصود.
و على هذا فدعوى تواتر القراءات دعوى عجيبة بلا دليل، بل الدليل موجود على خلافه، و هو ما مرّ سابقاً أنّ عثمان جمع المسلمين على قراءة واحدة، لأنّ الاختلاف في القراءة من شأنه أن يؤدّي إلى الاختلاف بين المسلمين و تمزيق صفوفهم و لذلك لم يعترض أحد من الصحابة عليه مع أنّه لو كانت القراءات متواترة لم يكن وجه لسكوتهم.
هذا مضافاً إلى أنّ نزول القرآن على النبي ٦ على سبعة أحرف في نفسه أمر غير ثابت بل غير معقول كما لا يخفى.
ثمّ إنّه لا معنى للاحتمال الثالث و هو جواز القراءة مع عدم الحجّية في العمل لأنّه إذا استفدنا من الرّوايات المتظافرة (التي تقول: اقرءوا كما قرأ الناس) جواز القراءة شرعاً نستفيد منها الحجّية بالملازمة العرفيّة، أي الحجّية حينئذٍ مدلول التزامي لتلك الرّوايات، فلا وجه لإنكار الملازمة من ناحية المحقّق الخراساني (رحمه الله) و صاحب البيان و استدلالهم بأنّ الرّواية تقول:
«اقرءوا» و لا تقول: «اعملوا».
المسألة الثانية: في مقتضى كلّ واحد من هذه الاحتمالات: فنقول: إذا قلنا بتواتر القراءات فلازمه حجّية جميعها و القطع بصدور الجميع، و حينئذٍ لا تعارض بينها من ناحية السند بل التعارض ثابت في دلالاتها، فلو كان واحد منها أظهر من الباقي يؤخذ به و إلّا تتعارض ثمّ تتساقط الجميع عن الحجّية.
و إن قلنا بالاحتمال الثاني فتكون المسألة من باب الخبرين المتعارضين اللذين كلاهما حجّة، و حينئذٍ بما أن أدلّة إعمال المرجّحات خاصّة بالسنّة الظنّية تكون النتيجة تساقط الخبرين عن الحجّية، و إن كان لأحدهما ترجيح على الآخر فتصل النوبة إلى الاصول العمليّة، و سيأتي ما تقتضيه هذه الاصول إن شاء اللَّه.