أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥٩ - الأقوال في المسألة
المقام الثالث: ثبوت الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع
و هي «أنّه كلّما حكم به العقل حكم به الشرع» فقبل الورود في البحث عنها لا بدّ من تفسير كلمة الحكم الوارد في الجملتين فنقول: إنّه فرق بين الحكم في قولنا: «حكم به العقل» و الحكم في قولنا: «حكم به الشرع» حيث إن الحكم الأوّل معناه إدراك العقل لا إنشائه و جعله لأنّ إنشاء التكليف من شأن المولى (نعم للعقلاء بناءات و اعتبارات و قوانين إنشائيّة في دائرة أحكامهم العقلائيّة و هي في الحقيقة من سنخ إنشاءات الموالي بالنسبة إلى العبيد).
و أمّا الحكم الثاني، فليس هو بمعنى الإدراك بل هو بمعنى التشريع و التقنين لكون الشارع مولى الموالي و الناس جميعهم عباده، هذه نكتة.
و النكتة الثانية: أنّ قضيّة الأصل في هذا العنوان (أي قضية كلّما حكم به العقل، حكم به الشرع) مخالف للعكس (و هي كلّما حكم به الشرع حكم به العقل) فإنّ الأولى قضية مطلقة و الثانية مشروطة، لأنّها مشروطة بأن يدرك العقل من جانب الشارع فلسفة الحكم من المصلحة و المفسدة ثمّ يحكم بحسنه أو قبحه فتكون قضية العكس هكذا: «كلّما حكم به الشرع، حكم به العقل لو اطلع على حكمة حكم الشرع».
الأقوال في المسألة:
في المسألة أقوال أربعة:
أحدها: أنّ الملازمة ثابتة من جانب الأصل و العكس معاً.
ثانيها: قول الأشاعرة و هو إنكار الملازمة مطلقاً.
ثالثها: قول صاحب الفصول من أنّ الملازمة ثابتة بين حسن التكليف بفعل أو قبحه و بين حكم الشارع، لا بين حسن الفعل (المكلّف به) أو قبحه و بين حكم الشرع.
رابعها: التفصيل بين ما إذا تطابقت آراء العقلاء على حسن فعل أو قبحه و بين ما إذا لم تتطابق آراؤهم عليه، و الملازمة ثابتة في الصورة الاولى لا الثانية (و يستفاد هذا من تضاعيف ما ذكره في اصول الفقه) [١].
[١] اصول الفقه للعلّامة المظفّر.