أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦١ - ١- دليل حجّية الإجماع عند العامة
و شهيداً، و لازم هذا الاستدلال حينئذٍ أن يكون كلّ فرد من أفراد الامّة معصوماً عن الخطأ، و هو كما ترى.
و لو سلّم كونها عاماً مجموعياً، أي كان النظر إلى الامّة من حيث إنّها امّة فغاية ما تقتضيه الآية هي إثبات العدالة لها لا العصمة، و الذي ينفع في المقام إنّما هو إثبات العصمة لا العدالة لتتمّ كاشفيتها عن الواقع.
و منها قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ» [١].
بتقريب أنّ اللَّه تعالى وصف الامّة في هذه الآية بأنّها خير الامّة و أنّها تأمر بالمعروف و تنهي عن المنكر، فلا يجوز أن يقع منها الخطأ، لأنّ ذلك يخرجها عن كونها خياراً و يخرجها عن كونها آمرة بالمعروف و ناهيّة عن المنكر.
و فيه: أنّه لا ملازمة بين عدم جواز وقوع الخطأ و بين كونهم خياراً، لأنّ الخيار قد يقع منهم الخطأ و إن كانوا معذورين، كما هو الشأن في غير المعصومين من العدول فإنّه يقال: إنّ الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) مثلًا من الخيار أو أنّ أبا ذر رضى الله عنه كان من خيار الامّة مع عدم كونهما معصومين.
و منها قوله تعالى: «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لَا تَفَرَّقُوا» [٢] بتقريب أنّ الإجماع حبل اللَّه فيجب الاعتصام به و لا يجوز التفرّق عنه.
و فيه أوّلًا: أنّ الآية تأمر بإيجاد الاتّحاد بين المسلمين، و الاتّحاد شيء و قبول كلّ رأي و عقيدة تعبّداً شيء آخر، و لا ملازمة بينهما.
ثانياً: دلالة الآية على المدّعى موقوفة على أن يكون الإجماع مصداقاً لمفهوم حبل اللَّه، مع أنّ من الواضح أنّ الحكم لا يثبت موضوعه، بل تدلّ على لزوم الاعتصام بحبل ثبت كونه حبل اللَّه تعالى بدليل آخر.
هذا كلّه من ناحية استدلالهم بالكتاب و قد عرفت أنّها تكلّفات بعيدة و تشبّثات واهيّة.
و أمّا السنّة: فاستدلّوا منها بحديث نبوي نقل بطرق مختلفة على مضامين متفاوتة، فنقل
[١] سورة آل عمران: الآية ١١٠.
[٢] سورة آل عمران: الآية ١٠٣.