أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٩٤ - المقام الرابع فيما إذا ورد مطلق و مقيّد
ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة» أو «صلّ صلاة الظهر» و «صلّ صلاة الظهر إخفاتاً»، و المشهور في هذه الحالة التقييد كما عليه سيرة الفقهاء في الفقه، و استدلّ له بثلاثة وجوه:
الأوّل: أنّ الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، و هو في المقام يحصل بالتقييد.
لكن يرد عليه: أنّه لا دليل لنا على ثبوت هذه القاعدة في جميع الموارد فليس الجمع أولى من الطرح حتّى فيما إذا كان الجمع جمعاً تبرئياً غير عرفي، بل الأولويّة ثابتة في باب تزاحم الملاكات، فإذا ثبت هناك ملاكان لحكمين فمهما أمكن الجمع بين هاتين المصلحتين كان أولى.
الثاني: أنّ الدليل المقيّد وارد على الدليل المطلق و رافع لموضوعه، و ذلك لأنّ إحدى مقدّمات الحكمة في المطلق هي عدم البيان، و المقيّد يكون بياناً.
لكنّه أيضاً ممنوع لما مرّ سابقاً من أنّ المراد من عدم البيان في مقدّمات الحكمة هو عدم البيان في مقام التخاطب لا عدم البيان إلى الأبد، و إلّا يلزم الخروج عن فرض المسألة حيث إن المفروض في المقام ما إذا ورد مطلق و مقيّد، أي بعد أن تمّ الإطلاق في دليل المطلق، و هذا يتمّ بعد تمام مقدّمات الحكمة التي منها عدم بيان القيد في مقام التخاطب.
الثالث: (و هو الصحيح في المقام) أن نقول: بأنّ الجمع هنا جمع دلالي عرفي، و بيانه: أنّ هنا ظهورات ثلاثة متعارضة ظهورين في جانب المطلق و ظهوراً في جانب المقيّد، أمّا الظهوران في جانب المطلق فأحدهما: ظهوره في كون المولى في مقام البيان، و الثاني: ظهوره في تطابق الإرادة الجدّية مع الإرادة الاستعماليّة، و أمّا الظهور في جانب المقيّد فهو ظهوره في كون المطلوب مقيّداً، فيدور الأمر حينئذٍ بين التصرّف في أحد الظهورين في جانب المطلق و بين التصرّف في ظهور المقيّد و حمله على الاستحباب مثلًا، و الإنصاف أنّ ظهور المقيّد أقوى منهما، فلا بدّ أن نرفع اليد من الظهور الأوّل في المطلق و نحكم بأنّ المولى لم يكن في مقام البيان، و حينئذٍ لا تصل النوبة إلى الظهور الثاني كما لا يخفى، أو نرفع اليد من الظهور الثاني و نحكم بعدم جدّية الإرادة في غير المقيّد.
نعم، هذا إذا كان المورد من الواجبات، و أمّا إذا كان من المستحبّات فسيأتي حكمه إن شاء اللَّه تعالى من أنّها محمولة على مراتب الفضل.
هذا تمام الكلام في الصور المتصوّرة بعد ورود المطلق و المقيّد.