أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٩٤ - ١- حجّية الظواهر
لكن للمحقّق الحائري (رحمه الله) هنا بياناً يليق بالذكر و حاصله: أنّه إذا ثبت عندنا أمران نقطع بأنّ مراد المتكلّم هو ما يستفاد من ظاهر اللفظ:
أحدهما: أن نعلم بأنّ المتكلّم يكون في مقام البيان و تفهيم المراد.
ثانيهما: أن نعلم أنّه لم ينصب قرينة توجب انصراف اللفظ عن ظاهره.
و استدلّ له بأنّه لو لا ذلك لزم نقض الغرض، أي لزم الالتزام بأنّه تصدّي لنقض غرضه عمداً و هذا مستحيل، و لذلك لا يختصّ ذلك بمورد يكون المتكلّم حكيماً لأنّ العاقل لا يعمل عملًا يكون فيه نقض غرضه سواء كان حكيماً أم لا، و هذا واضح.
هذا كلّه إذا أحرزنا المقدّمتين كلتيهما، أمّا إذا شككنا في أنّ المتكلّم أراد من اللفظ معناه الظاهر أو غيره، فإمّا أن يكون الشكّ من جهة الشكّ في كونه في مقام التفهيم، و إمّا من جهة الشكّ في وجود القرينة، و إمّا من جهة كليهما، فيقول بالنسبة إلى الصورة الاولى: أنّ الأصل المعوّل عليه عند العقلاء كونه في مقام تفهيم مراده، و هذا الأصل لا شبهة لأحد منهم فيه، و بالنسبة إلى الصورة الثانية يقول: هل الأصل المعوّل عليه فيها هو أصالة عدم القرينة أو أصالة الحقيقة (أصالة الظهور)؟ و تظهر الثمرة بينهما فيما لو اقترن بالكلام ما يصلح لكونه قرينة، فعلى الأوّل يوجب إجمال اللفظ لعدم جريان أصالة عدم القرينة مع وجود ما يصلح للقرينيّة، و على الثاني يؤخذ بمقتضى المستفاد من الوضع و المستظهر من اللفظ حتّى يعلم خلافه.
ثمّ قال: «فاعلم أنّ اعتبار الظهور الثابت للكلام و إن شكّ في احتفافه بالقرينة ممّا لا إشكال فيه في الجملة، و أمّا كون ذلك من جهة الاعتماد على أصالة الحقيقة كي لا يرفع اليد عنها في صورة وجود ما يصلح للقرينيّة فغير معلوم، و إن كان قد يدّعي أنّ بناء العقلاء على الجري على ما يقتضيه طبع الأشياء ما داموا شاكّين في الصحّة و الفساد لأنّ مقتضى طبع كلّ شيء إن يوجد صحيحاً، و الفساد يجيء من قبل أمر خارج عنه، و لعلّه من هذا القبيل القاعدة المسلّمة عندهم «كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض» فإنّ مقتضى طبع المرأة أن يكون الدم الخارج منها دم حيض و غيره خارج عن مقتضى الطبع».
ثمّ قال: «و على هذا نقول: أنّ مقتضى طبع اللفظ الموضوع أن يستعمل في معناه الموضوع له لأنّ الحكمة في الوضع تمكّن الناس من أداء مراداتهم بتوسّط الألفاظ فاستعماله في غيره إنّما جاء من قبل الأمر الخارج عن مقتضى الطبع ... إلى أن قال: و كيف كان فالمتيقّن من الحجّية هو