أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١١٤ - المقام الأوّل في المخصّص المنفصل
إنّ مدرك حجّية أصالة العموم هو بناء العقلاء على العمل بها، و لم يثبت بنائهم عليه فيما إذا كانت العمومات في معرض التخصيص، فلو علموا أنّ أحداً من مواليهم العرفيّة يتّكل كثيراً ما في تخصيص عمومات كلامه على مخصّصات منفصلة لم يعملوا بها بمجرّد الظفر على عام من العمومات الصادرة منه ما لم يتفحّصوا بقدر وسعهم عن المخصّص.
أقول: لا بدّ من توضيح مقصوده و تأويل كلامه بأن نقول: بما أنّ سيرة الشارع و سنّته استقرّت على بيان الأحكام تدريجاً فيعتمد في تخصيص عمومات كلامه على مخصّصات منفصلة بحيث تكون عمومات كلامه في معرض التخصيص فإنّ العقلاء في مثل هذا المورد لا يستقرّ بنائهم على العمل بالعمومات قبل الفحص عن المخصّص، و قد عرفت سابقاً عدم وجود المخصّص المنفصل في المحاورات العرفيّة و أنّ العرف يحملونه على التناقض و التكاذب.
و ذكر في التهذيب أنّ جميع القوانين العقلائيّة كذلك، لكنّه محلّ تأمّل إذ إنّه بعد تسجيل قانون في مجلس التقنين في ثلاثين مادّة و تبصرة مثلًا لا يرى الموظّفون بإجراء القوانين أنفسهم مسئولين عن الفحص عن المخصّص أو المعارض فتأمّل.
فتلخّص ممّا ذكر أنّ قوانين الشرع لكونها في معرض التخصيص كما عليه سنّة الشارع و سيرته لا بدّ فيها من الفحص عن المخصّص.
الوجه الثاني: أنّ العلم الإجمالي بورود مخصّصات كثيرة حاصل لمن لاحظ الكتب الفقهيّة و لا يمكن إجراء الاصول في أطراف العلم الإجمالي.
لكن هذا أخصّ من المدّعى فالمعلوم بالإجمال هو مقدار معيّن فينحلّ بعد الظفر على المخصّصات بذلك المقدار، فإذا انحلّ فمقتضى هذا الوجه أنّ العمل بالعام بعد هذا ممّا لا يحتاج إلى الفحص، و هو كما ترى، لأنّ سيرة الفقهاء جارية على الفحص حتّى في هذه الموارد.
الوجه الثالث: ما ثبت من اعتبار الظنّ الشخصي في حجّية أصالة العموم و هو لا يحصل مع عدم الفحص.
و الجواب عنه أنّ المختار عدم اعتبار الظنّ الشخصي في حجّية الظواهر.
الوجه الرابع: (و هو الدليل الثاني للمحقّق النائيني (رحمه الله) في المقام): ما حاصله: إنّ حجّية العمومات متقوّمة بجريان مقدّمات الحكمة الكاشفة عن عدم دخل قيد آخر في مراد المتكلّم، فإذا علمنا بعد الرجوع إلى الأدلّة الشرعيّة أنّ طريقة الشارع قد استقرّت على إبراز مقاصده