أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨٠ - أدلّة القائلين بحجّية القياس
أدلّة القائلين بحجّية القياس
و أمّا القائلون بجواز القياس فاستدلّوا بالأدلّة الأربعة و المهمّ منها الذي يليق ذكره إنّما هو السنّة و أمّا الآيات فضعفها في الدلالة على مدّعاهم لا يحتاج إلى البيان، بل يشكل فهم أصل ربطها بهذه المسألة فضلًا عن صحّة الاستدلال بها، و هذا يدلّ على وقوعهم في ضيق شديد في مقام إقامة الدليل على ما دبّروها من قبل من صحّة القياس.
أمّا الآيات المستدلّ بها قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ ...» [١] ببيان أنّ القياس أيضاً نوع إرجاع للأمر إلى سنّة الرسول حيث إن القائس يرجع في استنباط حكم الفرع إلى الأصل الذي ثبت حكمه بالسنّة، أو يستنبطه من العلّة التي اكتشفها من السنّة.
و يرد عليه أوّلًا: إنّ وجوب الرجوع إلى الكتاب و السنّة لا يحتاج إلى الاستدلال بهذه الآية بل هو أمر واضح مستفاد من أدلّة حجّية الظهور.
و ثانياً: إنّ الإشكال إنّما هو صغرى الردّ إلى اللَّه و كشف العلّة، و إنّ القياس الظنّي و استنباط الحكم من العلّة الظنّية ليسا من الردّ إلى اللَّه و الرسول، لأنّ هذا هو موضع النزاع، و إلّا لو كانت العلّة قطعية و تامّة فلا كلام في أنّ مقتضى حكمة الحكيم عدم التفريق بين الأصل و الفرع و هو خارج عن محلّ الكلام.
و منها: قوله تعالى: «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأَبْصَارِ» «بتقريب أنّ الاعتبار في الآية مأخوذ من العبور و المجاوزة و أنّ القياس عبور من حكم الأصل و مجاوزة عنه إلى حكم الفرع فإذا كنا مأمورين بالاعتبار فقد أمرنا بالعمل بالقياس و هو معنى حجّيته.
و هذا الاستدلال ركيك جدّاً يظهر بأدنى تأمّل.
و منها: قوله تعالى: «قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ» ببيان أنّ اللَّه عزّ و جلّ استدلّ بالقياس على ما أنكره منكرو البعث، فقاس عزّ و جلّ إعادة المخلوقات بعد فنائها على إنشائها أوّل مرّة، و هذا الاستدلال بالقياس إقرار لحجّية القياس و صحّة الاستدلال به.
و فيه: أوّلًا: أنّها لا تدلّ على حجّية القياس إلّا بضرب من القياس، و هو قياس عمل
[١] سورة النساء: الآية ٥٩.