أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٠٨ - الدليل الأول الكتاب
المؤمنين أن ينفروا إلى الجهاد كافّة و تأمرهم بالانقسام إلى طائفتين: فطائفة منهم تنفر إلى الجهاد، و طائفة اخرى تبقى عند الرسول للتفقّه في الدين.
و القائلون بهذا الوجه استشهدوا له بصدر الآية و هو قوله تعالى: «وَ مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً» فإنّه يدلّ على أنّهم كانوا ينفرون كافّة إلى الجهاد و ذلك لكي لا تشملهم الآيات النازلة في المنافقين القاعدين، فتنهاهم الآية عن هذا النحو من الخروج و تقول: الجهاد مع الجهل واجب كالجهاد مع العدوّ.
و هذا الوجه مخالف لظاهر الآية من بعض الجهات: أوّلًا: أنّه يحتاج إلى تقدير جملة «و تبقى طائفة» و ثانياً: لا بدّ من رجوع الضمير في قوله «ليتفقّهوا» إلى الطائفة الباقية مع أنّ الظاهر رجوعه إلى الفرقة النافرة المذكورة في الآية، و ثالثاً: من ناحية رجوع الضمير في «و لينذروا» إلى الطائفة الباقية أيضاً مع أنّ ظاهره أيضاً الرجوع إلى النافرة.
الوجه الثاني: أن يكون المراد من النفر النفر إلى الجهاد أيضاً مع عدم التقدير المذكور في الوجه الأوّل، فيرجع الضميران إلى الطائفة النافرة، أي التفقّه و الإنذار يرجعان إليهم، و اللَّه تعالى حثّهم على التفقه في ميدان الحرب لترجع إلى الفرقة المتخلّفة فتحذّرها.
إن قلت: كيف يمكن التفقّه في ميدان الجهاد.
قلت: يحصل التفقّه هناك بالتبصّر و التيقّن بما يريهم اللَّه من الظهور على المشركين و نصرة الدين و ظهور صدق قوله تعالى: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ» [١] و كذلك قوله تعالى: «إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ» [٢].
و هذا الوجه أيضاً مخالف للظاهر من وجهين:
الوجه الأوّل أنّه خلاف ظاهر التفقّه في الدين و خلاف قوله: «ليتفقّهوا» بصيغة المضارع، فإنّه ظاهر في الاستمرار لا في التفقّه في مقطع خاصّ و زمان معيّن (هو زمان الجهاد) كما أنّ كلمة الدين أيضاً ظاهرة في جمّ غفير من المسائل و المعارف الدينيّة لا في خصوص صفة من صفات الباري تعالى كقدرته و نصرته.
الوجه الثاني: أنّه يبقى السؤال في الآية بعدُ من أنّه لما ذا منع من نفر الجميع للتفقّه في الدين؟
[١] سورة البقرة: الآية ٢٤٩.
[٢] سورة الأنفال: الآية ٦٥.