أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٤٤ - الأمر الثاني في نسخ التلاوة
الأمر الثاني: في نسخ التلاوة
و هو أن تنسخ تلاوة آية من الآيات سواء نسخ حكمها أيضاً أو لم ينسخ فقد يكون الحكم باقياً من دون بقاء الآية الدالّة عليه، و في مقابله نسخ الحكم، و هو أن ينسخ الحكم من دون أن تنسخ الآية الدالّة عليه، أمّا نسخ الحكم مع بقاء التلاوة فهو أمر ظاهر مفهوماً و مصداقاً، و أمّا نسخ التلاوة بعد نزولها قرآناً فهو أمر لا معنى محصّل له، و لكن مع ذلك ذهب جماعة من العامّة إليه في موارد كثيرة، و الظاهر أنّهم أرادوا به توجيه بعض ما ورد في رواياتهم من التحريف في الكتاب العزيز:
منها: ما مرّ من رواية الليث بن سعد قال: «أوّل من جمع القرآن أبو بكر و كتبه زيد ... و إنّ عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنّه كان وحدة» [١].
و منها: ما مرّ أيضاً من عائشة قالت: «كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي ٦ مأتي آية، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلّا ما هو الآن» [٢].
و منها: ما مرّ أيضاً من سورتي الخلع و الحفد في ما حكوا عن مصحف ابن عبّاس و ابي بن كعب: «اللهمّ إنّا نستعينك و نستغفرك و نثني عليك و لا نكفّرك و نخلع و نترك من يفجرك اللهمّ إيّاك نعبد و لك نصلّي و نسجد و إليك نسعى و نحفد نرجو رحمتك و نخشى عذابك إنّ عذابك بالكافرين ملحق» [٣].
إلى غير ذلك ممّا روي من طرقهم، فقد أرادوا بهذا إنكار نسبة القول بالتحريف إلى أنفسهم بتوجيه أنّ هذه الرّوايات من قبيل نسخ التلاوة لا من موارد التحريف.
و لا بدّ في الجواب عنه من تعيين معنى نسخ التلاوة و المراد منه فنقول: إن كان المقصود منه أنّ رسول اللَّه ٦ نهى عن تلاوة هذا القبيل من الآيات و أن نسخ التلاوة قد وقع من رسول اللَّه فهذا أمر غير معقول، و إن كان المراد وقوعه ممّن تصدّى للزعامة من بعد النبي ٦ فهو عين القول بالتحريف بالنقصان واقعاً و إن لم يسمّ بالتحريف لفظاً، وعليه فيمكن أن يدّعي أنّ القول بالتحريف هو مذهب كثير من علماء أهل السنّة لأنّهم يقولون بجواز نسخ التلاوة، بل
[١] البيان: ص ٢٢٠.
[٢] المصدر السابق:
[٣] المصدر السابق: