أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨٧ - الثاني الاستحسان
و أمّا الدلالة فأوّلًا: أنّها إنّما ترتبط بمحلّ الكلام إذا كان المراد من الرؤية في قوله «ما رأوا» الرؤية الظنّية، و الإنصاف أنّ نفس كلمة الرؤية ظاهرة في العلم و القطع و لا فرق في هذه الجهة بين الرؤية القلبيّة و الرؤية بالبصر.
و ثانياً: قد يرى التهافت بين صدر الحديث و ذيله، لأنّ الذيل ظاهر في أنّ المسلمين إذا رأوا حسناً فهو عند اللَّه حسن مع أنّ صدره يختصّ بخصوص الصحابة.
أمّا الإجماع: فقد ادّعوا أنّه توجد مسائل لا دليل عليها غير الإجماع على الاستحسان و لا تدخل تحت عنوان من العناوين الفقهيّة من العقود و الإيقاعات كإجماع الامّة على استحسانهم دخول الحمام و شرب الماء من أيدي السائقين من غير تقدير لزمان المكث و تقدير الماء بالاجرة فلا يدخل شيء منهما تحت العناوين المعروفة من العقود الشرعيّة، و في فوائد الرحموت مثّل له بمسألة الاصطناع، فيطلب من النجّار أو الكفّاش مثلًا اصطناع باب أو نعلين من دون تقدير للوزن أو القيمة، كما يمكن التمثيل لها في عصرنا هذا بركوب السيارة من دون تقدير للُاجرة.
لكن يرد على الإجماع هذا أوّلًا: أنّه قائم على هذه الأحكام بالخصوص لا على استحسانها، و هو في الواقع ليس إجماعاً في المصطلح بل سيرة مستمرّة إلى زمن النبي ٦ (لو ثبتت السيرة) قامت على هذه الأحكام.
و ثانياً: أنّه يمكن إدخال هذه الأحكام تحت عناوين معروفة في فقهنا الثابتة بالأدلّة المعتبرة، فيدخل المثال الأوّل و الثاني في عنوان الإباحة مع الضمان الذي له مصاديق كثيرة في الفقه و كذلك مثال ركوب السيارة.
يبقى مثال الاصطناع، و هو أيضاً يدخل في عنوان البيع، كما إذا اشترى الأبواب على نحو الكلّي في الذمّة، نعم أنّه ليس داخلًا في عقد من العقود إذا ذكر للنجّار خصوصيّات للباب و وعده أن يشتري منه فيما بعد، لكن قد يدخل هذا أيضاً في قاعدة لا ضرر إذا لم يوجد من يشتري ذلك الباب مع تلك الخصوصيّات فيجب على الواعد جبران الخسارة.
هذا في الأدلّة التي استدلّوا بها أنفسهم على حجّية الاستحسان، و يمكن أيضاً أن يستدلّ لهم بدليل عقلي، و هو الانسداد حيث إنّه في صورة الانسداد لا يكون الظنّ القياسي كافياً لهم بل لا بدّ من التعدّي إلى الظنّ الاستحساني.