أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨٨ - الثاني الاستحسان
و الجواب عنه واضح، و هو ما مرّ من كفاية الكتاب و السنّة (مع ملاحظة الرّوايات المروية من طرق أهل البيت :.
فقد ظهر إلى هنا أنّه إذا كان الاستحسان قطعيّاً فلا إشكال في حجّيته من باب كونها ذاتيّة للقطع، و إذا كان ظنّياً يكون مشمولًا لأدلّة عدم حجّية الظنّ، و كلّ واحد من الأدلّة الأربعة التي استدلّ بها لإثبات الحجّية له غير تامّ.
و أمّا دليل النافين فهي أدلّة عدم حجّية مطلق الظنّ كما أشرنا إليه آنفاً، لكن حكي عن الشافعي دليلًا لنفيه و هو أنّه لو قال المفتي فيما لا نصّ فيه و لا قياس: «استحسن» فلا بدّ أن يزعم جواز استحسان خلافه لغيره، فيفتي كلّ حاكم في بلد و مفت بما يستحسن، فيقال في الشيء الواحد بضروب من الحكم و الفتيا فإن كان هذا جائزاً فقد أهملوا أنفسهم فحكموا حيث شاءوا، و إن كان ضيّقاً فلا يجوز أن يدخلوا فيه.
و قد يقال في الردّ عليه: أنّ مثل هذا الكلام غريب على الفنّ لانتهائه- لو تمّ- إلى حصر الاجتهاد مطلقاً مهما كانت مصادره، لأنّ الاختلاف واقع في الاستنباط منها إلّا نادراً و لا خصوصيّة للاستحسان في ذلك [١].
لكن الإنصاف أنّه فرق بين الاستحسان و غيره لأنّه في غيره يوجد ضوابط معيّنة من شأنها أن تقلّل وقوع الاختلاف، بخلاف الاستحسان الذي لا ضابطة محدّدة فيه.
بقي هنا شيء:
و هو أنّ للاستحسان في كلماتهم معانٍ اخرى غير ما ذكر و قد ذكرها في شرح فواتح الرحموت:
منها: أنّ القياس إمّا جلي أو خفي، و الثاني هو الاستحسان كقياس بعضهم سؤر الطيور
[١] الاصول العامّة، للفقه المقارن: ص ٣٧٦.