أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٦٠ - أمّا المقام الأوّل في تنجّز العلم الإجمالي و عدمه
القطعيّة، و أمّا بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعيّة، فليس بعلّة تامّة و لا مقتضياً.
أمّا القول الأوّل: فاستدلّ له بأنّه فرق بين العلم التفصيلي و العلم الإجمالي حيث إنّ الأوّل كشف تامّ بالنسبة إلى متعلّقه، و لذا لا مجال فيه لصدور حكم ظاهري بالترخيص و لا يمكن مخالفته، بخلاف العلم الإجمالي لأنّه مخلوط بالشكّ، فيمكن للشارع الترخيص في المخالفة الاحتماليّة بل في المخالفة القطعيّة أيضاً لمكان الشكّ.
إن قلت: العلم على كلّ حال لا يجتمع مع الترخيص و مانع عنه.
و قد أجاب عنه بجوابين: أحدهما: بالنقض بجواز الترخيص في أطراف الشبهة غير المحصورة كما قام عليه الإجماع، و هكذا في الشبهات البدويّة، لأنّ احتمال التناقض و اجتماع النقيضين محال كاليقين به.
و الثاني: بالحلّ و أنّ هنا حكمين: أحدهما: في مرحلة الإنشاء، و الآخر: في مرحلة الفعليّة، و لا تنافي بين المرحلتين، و بعبارة اخرى: الترخيص حكم ظاهري و المعلوم بالإجمال حكم واقعي، و لا منافاة بين الحكم الواقعي و الظاهري كما سوف يأتي في محلّه إن شاء اللَّه.
أقول: يمكن توجيه ما اختاره الشيخ (رحمه الله) و تقويته (أي تقوية أنّ العلم الإجمالي علّة تامّة بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعيّة لكنّه مقتضٍ بالنسبة إلى الموافقة القطعيّة) بأنّ الحكم الظاهري و إن كان موضوعه الشكّ و لذا لا منافاة بينه و بين الحكم الواقعي لكن متعلّق الشكّ في العلم الإجمالي إنّما هو خصوص أحد الطرفين لا كليهما.
و بعبارة اخرى: أنّ قوله «كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام» و إن كان يشمل كلًا من الطرفين لكن مجموع الطرفين من حيث المجموع داخل في الغاية، أي قوله: «حتّى تعلم أنّه حرام» و إن شئت قلت: ظهور الذيل مانع عن انعقاد الإطلاق في صدره و شموله لموارد العلم الإجمالي.
إن قلت: فكيف تحكم بالجواز في الشبهة غير المحصورة؟ قلت: جواز ارتكاب الجميع فيها أيضاً أوّل الكلام، فلا يجوز فيها ارتكاب جميع الأطراف و المخالفة القطعيّة، و لذا عدّ بعضهم من ضوابطها أن لا تكون جميع الأطراف قابلة للارتكاب، هذا أوّلًا.
ثانياً: أنّه يمكن أن يقال: إنّ احتمال انطباق العمل بالحرام الواقعي في الشبهة المحصورة ضعيف جدّاً بحيث يعدّ عند العرف كالعدم، و حينئذٍ لا تنجّز للعلم الإجمالي الموجود فيها،