أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٣١ - الوجه الثاني لزوم ترجيح المرجوح على الراجح
إلى الضرر الاخروي يحكم العقل به فيما إذا كان محتملًا فضلًا عمّا إذا كان مظنوناً أو مقطوعاً، و لذلك يجب الاحتياط في الشبهات الحكمية قبل الفحص مع أنّ الضرر و هو العقاب الاخروي يكون فيها محتملًا.
فظهر ممّا ذكرنا أنّه بالنسبة إلى الضرر الاخروي فالكبرى تامّة دون الصغرى، و أمّا الضرر الدنيوي فتكون القضيّة فيه بالعكس، أي الصغرى تامّة دون الكبرى.
هذا كلّه في الدليل الأوّل لحجّية الظنّ.
الوجه الثاني: لزوم ترجيح المرجوح على الراجح
إنّه لو لم يؤخذ بالظنّ لزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح.
و اجيب عنه: بأنّ هذه الملازمة تتحقّق فيما إذا لم يمكن العمل بطريق ثالث غير الظنّ و أخويه مع أنّه يتصوّر هنا طريق ثالث و هو العمل بالاصول العمليّة أو الاحتياط.
و إن شئت قلت: أنّ هذا مقدّمة من مقدّمات الانسداد و لا يوجب لزوم العمل بالظنّ إلّا بعد تماميّة مقدّمات الانسداد، و معها لا يكون هذا الوجه دليلًا مستقلًا.
هذا- و المحقّق الحائري (رحمه الله) استشكل أيضاً في كبرى استحالة ترجيح المرجوح على الراجح في درر الفوائد ببيان: «أنّه إن أراد من الراجح ما هو راجح بملاحظة أغراض الفاعل و يقابله المرجوح كذلك فترجيح المرجوح بهذا المعنى غير ممكن (لا أنّه قبيح) لأنّه راجع إلى نقض الغرض، و مجرّد الأخذ بالطرف الموهوم ليس ترجيحاً بهذا المعنى (حتّى يقال بإمكان وقوعه تكويناً) إذ ما لم يترجّح بملاحظة اغراضه لم يمل إليه في خلاف جهة غرضه، و إن لم يرد من الراجح ما هو راجح بملاحظة أغراض الفاعل بل أراد من الراجح الظنّ (أي الراجح بملاحظة أغراض الشارع) فترجيح الموهوم عليه و إن كان قبيحاً لكن قبحه موقوف على تماميّة سائر مقدّمات الانسداد و معها ليس هذا الوجه وجهاً مستقلًا» [١].
أقول: الصحيح هو عدم استحالة ترجيح المرجوح على الراجح و كذلك الترجيح بلا
[١] درر الفوائد: ج ٢، ص ٣٩٩، طبع جماعة المدرّسين.