أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٣٠ - الوجه الأوّل وجوب دفع الضرر المظنون عقلًا
المفسدة كأكل الربا ليس فيه ضرر دنيوي بل هو ذو منفعة، و كم من شيء ذو المصلحة كالصدقة ليس فيها نفع دنيوي.
ثانيهما: أنّه قد تكون المصلحة أو المفسدة في نفس إنشاء الأمر أو النهي لا في متعلّقهما، و الملازمة بين الظنّ بالحكم أو الظنّ بالمفسدة أو فوات المصلحة مبنية على حصر المصالح و المفاسد في متعلّقات التكاليف لأنه إذا كانتا في نفس الجعل فهما حاصلتان بنفس الجعل و لا ربط لهما بمخالفة العبد و موافقته للحكم المظنون.
أقول: كلا الوجهين غير تامّ، أمّا الوجه الأوّل: فلأنّه لا إشكال في وجود الملازمة العاديّة بين المصلحة و المفسدة و بين النفع و الضرر أمّا عاجلًا أو آجلًا و في طول الزمان، و من تأمّل في آثار الربا كيف يمكن أن يشكّ في الأضرار و الخسارات الناشئة منها في المجتمع، كما أنّ من تأمّل في تأثير الإنفاق في حفظ المجتمع عن البغضاء و الفساد و العدوان على الأموال و الأنفس لا يشكّ في ترتّب هذه الامور على ترك الإنفاق و شبهها، و قد قال اللَّه تبارك و تعالى: «وَ أَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» [١] و كذلك في سائر الواجبات و المحرّمات، و من الواضح أنّ منافع الفرد لا تنفكّ عن منافع المجتمع، و إن شئت مزيد توضيح لذلك فراجع ما كتبنا في تنبيهات قاعدة لا ضرر من القواعد الفقهيّة.
و أمّا الوجه الثاني: فلأنّه و إن كان ممكناً عقلًا و في مقام الثبوت و لكن قد لا يمكن الحصول على مصداق واحد ممّا تكون المصلحة أو المفسدة في نفس جعله إثباتاً في أحكام الشرع، وعليه يبقى الظنّ بوجود المفسدة أو تفويت المصلحة في متعلّق الحكم على حاله.
فظهر أنّه بالنسبة إلى الضرر الدنيوي تكون الصغرى تامّة فلا بدّ من البحث في الكبرى فنقول:
يمكن إنكار الكبرى في الضرر الدنيوي في الجملة في صورة العلم بالضرر فضلًا عن صورة الظنّ و الاحتمال، فلا يحكم العقل بالقبح في مورد الضرر الدنيوي مطلقاً بل إنّما يحكم به فيما إذا كان الضرر كثيراً هامّاً كالانتحار و قطع عضو من الأعضاء، و أمّا في المضارّ الجزئيّة كالضرر الموجود في التدخين و في الإكثار من الأكل فليس حكم العقل بالقبح ثابتاً فيها، نعم بالنسبة
[١] سورة البقرة: الآية ١٩٥.