أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٢٥ - الفصل السادس الكلام في الخطابات الشفاهيّة
و للجواب عنه كما بيّناه في محلّه طريقان:
الأوّل: ما ذهب إليه بعض الحكماء من أنّ اللَّه تعالى عالم بالعلّة، و العلم بالعلّة علم إجمالي بالنسبة إلى المعلول و هو كشف تفصيلي في نفس الوقت.
توضيح ذلك: أنّ الحوادث التي تتحقّق في المستقبل ليست منفكّة عن حوادث الحال و الماضي فإنّها سلسلة متّصلة بعضها ببعض، فلو علمنا بحوادث الحال كما هو حقّها و بجميع جزئياتها فقد علمنا حوادث الماضي و المستقبل أيضاً في نفس الوقت، و بما أن علمه تعالى بالأشياء يكون هكذا فهو عالم بالموجودين في الحال و المعدومين في الماضي و المستقبل جميعاً.
الثاني: (و قد يصعب تصوّره على بعض) أن نقول: أنّ تقسيم الزمان إلى الحال و الماضي و المستقبل إنّما هو بالنسبة إلى الممكنات، و أمّا بالنسبة إلى ذاته تعالى الذي لا حدّ و لا نهاية له فجميع الموجودات في الماضي و المستقبل و الحال سواء عنده، حاضرة لديه بأعيانها لكن كلّ في ظرفه الخاصّ، فموسى ٧ مثلًا حاضر عنده في ظرفه و زمانه الخاصّ كما أنّ عيسى ٧ أيضاً حاضر عنده في ظرفه الخاصّ، و أهل الجنّة و الجحيم حاضرون عنده في ظرفهما، فلا شيء من هذه معدوم عنده تعالى بل المعدوم معدوم بالنسبة إلى زمان الحال.
و بعبارة اخرى: أنّ الزمان بمنزلة شريط يتحرّك الإنسان عليه فعلى أي جزء منه كان فهو حال بالنسبة إليه و الجزء السابق عليه ماضٍ و الجزء اللاحق مستقبل، و أمّا الذي يكون محيطاً بجميع الشريط من أوّله إلى آخره فالحال و الماضي و المستقبل عنده سواء.
و قد يذكر لهذا مثال آخر و هو أنّ من يتصوّر للزمان حالًا و ماضياً و مستقبلًا مثله مثل من ينظر من منفذ بيت إلى قطار من الإبل خارج البيت، فحيث إنّه يرى في كلّ لحظة من الزمان بعض هذه الجمال يتصوّر له القبل و البعد، و أمّا من يكون فوق البيت مثلًا و يرى جميع القطار في لحظة واحدة فلا معنى لهذا التقسيم بالنسبة إليه.
فبأحد هذين الطريقين يثبت حضور المعدومين عند اللَّه تعالى، و لكن مع ذلك لا يثبت بهذه المحاولات إمكان تفهيم المعدومين من طرق الخطابات المشافهة المتعارفة، و بهذا يظهر أنّه لا وجه للتفصيل بين الخطابات الإلهية و غيرها.