أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٩٦ - المقام الرابع فيما إذا ورد مطلق و مقيّد
الجمعة أو يوم عرفة، إلى غير ذلك من المطلقات و المقيّدات التي وردت في أبواب المستحبّات فإنّ المشهور كما مرّ حملها على تعدّد المطلوب و بيان سلسلة مراتب المطلوبيّة و الفضل، إلّا إذا قام دليل خاصّ على التقييد، فالقاعدة الأوّليّة و الأصل الأوّلي عندهم في المستحبّات عدم التقييد.
و استدلّ عليه أوّلًا: بما أشار إليه في الكفاية بقوله: «أو أنّه كان بملاحظة التسامح في أدلّة المستحبّات و كان عدم رفع اليد من دليل استحباب المطلق بعد مجيء دليل المقيّد و حمله على تأكّد استحبابه من التسامح فيها».
إلّا أنّ الإنصاف أنّه غير تامّ، لأنّ التسامح في أدلّة السنن ليس إلّا عبارة عن العمل بأخبار من بلغ في المستحبّات و لا إشكال في أنّها ناظرة إلى ضعف السند على القول به لا الدلالة (كما يأتي في محلّه) و المقام في ما نحن فيه مقام الدلالة كما لا يخفى.
و ثانياً: (و هو الحقّ الصحيح) ما أشار إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) أيضاً، و حاصله مع توضيح منّا: أنّ الغالب في باب المستحبّات أن يكون القيد لأجل التأكيد و مزيد المحبوبيّة لا لأجل الاحتراز و الدخول في أصل المطلوبيّة كي يحمل المطلق على المقيّد، و هذه الغلبة توجب ظهور الأوامر فيها في تعدّد المطلوب و تفاوت الافراد بحسب مراتب المحبوبيّة و الفضل.
و أورد عليه في المحاضرات بأنّ «مجرّد الغلبة لا يوجب ذلك بعد ما افترض أنّ دليل المقيّد قرينة عرفيّة على تعيين المراد من المطلق، ضرورة أنّ الغلبة ليست على نحو تمنع عن ظهور دليل المقيّد في ذلك» [١].
لكنّه يردّ: بأنّ الغلبة على قسمين: تارةً يكون المقصود منها ما يقابل الشاذّ و النادر، و اخرى ما يقابل الأغلب فإن كانت من قبيل الثاني (كما هي كذلك في باب صيغة الأمر) فلا تمنع عن الظهور فإنّ غلبة استعمال صيغة الأمر في الندب مثلًا لا تمنع عن ظهورها في الوجوب، و إن كانت من قبيل الأوّل كما في المقام (حيث إن ورود القيد لأجل الاحتراز و التقييد في باب المستحبّات يكون شاذّاً بالنسبة إلى تعدّد المطلوب) فلا إشكال في منعها حينئذٍ عن ظهور دليل القيد في التقييد، و بالجملة أنّ غلبة استعمال المطلق و المقيّد في باب المستحبّات في تعدّد
[١] المحاضرات: ج ٥، ص ٣٨٢.