أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٧٤ - و أمّا الأمر الثاني في إمكان التعبّد بالظّن
و ليست طريقاً إلى الواقع، لأنّ المفروض عدم كونها أمارة، فقال ما نصّه: «فلا محيص في مثله (بعض الاصول العمليّة كأصالة الإباحة الشرعيّة) إلّا عن الالتزام بعدم انقداح الإرادة أو الكراهة في بعض المبادئ العالية أيضاً كما في المبدأ الأعلى لكنّه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعي بفعلي، بمعنى كونه على صفة و نحوٍ لو علم به المكلّف لتنجّز عليه كسائر التكاليف الفعليّة التي تنجّز بسبب القطع بها، و كونه فعلياً إنّما يوجب البعث و الزجر في النفس النبويّة أو الأولويّة فيما إذا لم ينقدح فيها الإذن لأجل مصلحة».
و حاصل ما أفاده: أنّ الحكم الواقعي في مورد هذه الاصول ليس فعليّاً تامّاً لأنّ الفعليّة موقوفة على حصول الإرادة و هو موقوف على عدم صدور إذن من جانب الشارع على الخلاف، و إلّا لو صدر إذن من ناحيته كما في الاصول العمليّة فالحكم فعلي تقديري، بمعنى أنّه لو تعلّق به العلم أو قامت أمارة عليه لتنجّز، بخلاف الإنشائي الذي لا تنجّز و إن تعلّق به العلم خارجاً، و بهذا ترتفع المنافاة بين الحكم الواقعي و الظاهري، لأنّ الحكم الواقعي فعلي تقديري، و الحكم الظاهري فعلي تحقيقي و لا منافاة بينهما.
فظهر إلى هنا أنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) اختار لحلّ إشكال الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي ثلاثة طرق:
الأوّل: إنكار أن يكون مؤدّى الأمارة حكماً بل هو مجرّد المنجّزيّة و المعذّريّة.
الثاني: كونه حكماً طريقيّاً.
الثالث: أنّ الواقعي فعلي تقديري أي فعلي لو لا الترخيص و الإذن، و الظاهري فعلي مطلقاً.
و لا يخفى أنّ هذا الكلام منه مبني على ما ذهب إليه من أن للأحكام مراتب أربعاً كما مرّت الإشارة إليه منّا في باب اجتماع الأمر و النهي، و كما أشار إليه في تعليقته على رسائل شيخنا الأعظم (رحمه الله):
أحدها: الاقتضائيّة و الشأنية، و هي عبارة عن كون الشيء ذا ملاك يقتضي الحكم الفلان على طبق ذلك الملاك.
ثانيها: الحكم الإنشائي و هو عبارة عن إنشاء الحكم على طبق المصالح و المفاسد الكامنة في الأشياء ضرباً للقاعدة و القانون، من دون أن يكون في البين إرادة أو كراهيّة فعلية.
ثالثها: الحكم الفعلي، و هو عبارة عن تعلّق الإرادة الفعلية أو الكراهة الفعلية بشيء أي البعث و الزجر.