أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥٤ - أمّا الطائفة الاولى النهي عن العمل بالرأي
و منها: ما رواه حبيب قال: قال لنا أبو عبد الله ٧: «ما أحد أحبّ إليّ منكم إنّ الناس سلكوا سبلًا شتّى منهم من أخذ بهواه و منهم من أخذ برأيه و إنّكم أخذتم بأمر له أصل» [١].
و منها: ما روي عن أبي محمّد الحسن بن علي ٧ أنّه سئل عن كتب بني فضّال، فقال:
«خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا» [٢].
و الجواب عنها: أنّها خارجة عن محلّ النزاع أي القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة بل هي ناظرة إمّا إلى الآراء و القياسات الظنّية كما تشهد عليه ما مرّ من رواية مسعدة بن صدقة عن أبي جعفر ٧ حيث ورد فيها: «و من دان اللَّه بما لا يعلم فقد ضادّ اللَّه ففسّر الرأي فيها بما لا يعلم».
أضف إلى ذلك أنّ من لاحظ تاريخ فقه العامّة يرى أنّهم كانوا يعتقدون في الفقه بخلإ فقهي (خلافاً لما ذهب إليه علمائنا أجمع، فيتوهّمون أنّ هناك مسائل لم يبيّن حكمها في الكتاب و السنّة و لم يرد فيه نصّ و يعبّرون عنها بما لا نصّ فيه) و لعدم جريان البراءة فيها عندهم يتمسّكون أوّلًا بذيل القياس إن وجدوا لها شبيهاً و نظيراً في الفقه و إلّا يلتجئون إلى الاستحسان و الاجتهاد بمعنى جعل القوانين وفقاً لآرائهم، و هذا هو المقصود من الرأي الوارد في هذه الطائفة من الرّوايات فهي ناظرة إلى هذا المعنى بحسب الحقيقة، و في ضوء هذه النكتة التاريخيّة يتّضح المراد من هذه الأخبار.
و إن شئت قلت: هذا الارتكاز الذهني المتداول بينهم يكون بمنزلة قرينة لبّية لتعيين المراد من الرأي الوارد في هذه الطائفة.
و يشهد عليه أيضاً ترادف الآراء بالمقاييس في لسان الرّوايات، فمن المسلّم أنّ المقصود من القياس ليس هو قياس الأولويّة الذي يكون قطعيّاً بل المراد منه القياس الظنّي، فليكن مترادفها أيضاً كذلك.
و من هنا يظهر أيضاً أنّ المراد من التعبير بالاجتهاد الوارد في الرّوايات هو نفس العمل بالرأي و الظنّ، لا تطبيق الاصول على الفروع.
و أمّا أن تكون ناظرة إلى مقابلتهم الأئمّة و الاستغناء عن مسألتهم، و له أيضاً شواهد: منها
[١] وسائل الشيعة: ح ٣١، الباب ٦، من ابواب صفات القاضي.
[٢] المصدر السابق: ح ١٣، الباب ١١، من ابواب صفات القاضي.