أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٨ - الأمر الثالث في تأسيس الأصل في المسألة
جواز انفكاك الحجّة عنهما كما في الظنّ الانسدادي على الحكومة و لكن لا يكاد يجوز تحقّقهما في غير الحجّة، فليس كلّ حجّة ممّا صحّ الالتزام بكون مؤدّاه حكم اللَّه و صحّ نسبته إليه تعالى، و لكن كلّما صحّ الالتزام بكون مؤدّاه حكم اللَّه و صحّ نسبته إليه تعالى كان حجّة قطعاً.
أضف إلى ذلك أنّه لا حاجة بناءً على مبنى المحقّق الخراساني (رحمه الله) في تفسير الحجّية إلى التمثيل بالظنّ الانسدادي على الحكومة، لأنّه بناءً على ذلك المبنى في تمام الحجج الشرعيّة لا يجوز الإسناد و الالتزام لأنّ الحجّية عنده بمعنى المنجّزيّة و المعذّريّة، و هما في الواقع قضيتان شرطيتان، أي لو وافق مؤدّى الأمارة الواقع كان منجزاً و لو خالفه كان عذراً، و ليستا حاكيتين عن حكم واقعي أو ظاهري حتّى يصحّ الإسناد، فظهر أنّ مآل الطريقين إلى أمر واحد.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) استدلّ للمسألة بالضرورة فقال: «ضرورة أنّه بدونه لا يصحّ المؤاخذة على مخالفة التكليف بمجرّد إصابته و لا يكون عذراً لدى مخالفته مع عدمها و لا يكون مخالفته تجرّياً و لا يكون مخالفته بما هي موافقة انقياداً».
و مقصوده من الضرورة هنا هو الضرورة العقليّة و البداهة الوجدانيّة، و هو كذلك، لأنّ الوجدان حاكم على عدم ترتّب آثار الحجّية على أمارة ما لم تتّصف بالحجية الفعليّة في مقام الإثبات.
و أمّا شيخنا الأنصاري (رحمه الله) فاستدلّ لحرمة الإسناد و الإلزام التي يستفاد منها عدم الحجّية بالدلالة الالتزاميّة كما مرّ بالأدلّة الأربعة و قال: «التعبّد بالظنّ الذي لم يدلّ على التعبّد به دليل، محرّم بالأدلّة الأربعة و يكفي من الكتاب قوله تعالى: «قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ» دلّ على أنّ ما ليس بإذن من اللَّه من إسناد الحكم إلى الشارع فهو افتراء، و من السنّة قوله ٦ في عداد القضاة من أهل النار «رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم» [١]، و من الإجماع ما ادّعاه الفريد البهبهاني في بعض رسائله من كون عدم الجواز بديهيّاً عند العوام فضلًا عن العلماء، و من العقل تقبيح العقلاء من يتكلّف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده من المولى و لو كان جاهلًا مع التقصير».
[١] وسائل الشيعة: الباب ٤، من أبواب صفات القاضي، ح ٦.