أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٢٠ - أدلّة القائلين بعدم تحريف كتاب اللَّه
فإنّما نزل بلسانهم ففعلوا حتّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، و أرسل إلى كلّ افق بمصحف ممّا نسخوا، و أمر بما سوى ذلك من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق» [١].
فإنّ هذه الرّواية صريحة في أنّ جمع عثمان كان لأجل رفع الاختلافات الواردة في القراءات لا جمع الآيات و السور في مصحف.
هذا كلّه في المقدّمات الثلاث التي كان يجب ذكرها قبل الخوض في أصل البحث عن التحريف و أدلّة الطرفين.
أدلّة القائلين بعدم تحريف كتاب اللَّه:
إذا عرفت ذلك فنقول: أمّا القائلون بعدم تحريف القرآن فاستدلّوا بوجوه عمدتها ثلاثة:
الوجه الأوّل: ما يشبه الدليل عقلي و هو مجموعة [٢] من القرائن التي توجب اليقين الباتّ بعدم التحريف، و هي ما مرّ سابقاً في مقام إثبات وقوع جمع القرآن على عهد النبي ٦ ضمن الشواهد الدالّة على جمعه في ذلك العهد من اهتمام النبي ٦ بحفظه و قراءته و اهتمام المسلمين بما يهتمّ به النبي ٦ و غيرهما من الجهات العديدة المذكورة هناك فراجع.
و نؤكّد هنا على ذلك أيضاً بما ورد في القرآن نفسه من قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ» [٣]. فهذه تدلّ على شدّة اهتمام النبي و المسلمين بقراءة القرآن من الصدر الأوّل حتّى إنّهم كانوا يقومون كثيراً من الليل لم يكن لهم همّ إلّا تلاوة القرآن.
و بما ورد في الأخبار ممّا يدلّ أيضاً على اهتمام المسلمين بتلاوته فإذا مرّ عليهم أحد يسمع
[١] بحار الأنوار: ج ٩٢، ص ٧٦.
[٢] و هذا بنفسه طريق لإثبات حكم في يومنا هذا، فمثلًا في باب القضاء إذا لم يحصل القاضي على إقرار أو بيّنة لكن حصلت له مجموعة من القرائن توجب بمجموعها اليقين فانّه يأخذ بها ويحكم بمقتضاها و نحن في البحث عن النبوّة العامّة أخذنا بهذا المنهج لإثبات النبوّة.
[٣] سورة المزمّل: الآية ٢٠.