أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٢١ - أدلّة القائلين بعدم تحريف كتاب اللَّه
لهم دويّاً كدويّ النحل، و اهتمامهم بالتبرّك به حتّى صاروا يجعلون تعليمه مهراً لأزواجهم.
فمع ملاحظة هذه الجهات و القرائن يحكم العقل بعدم إمكان أن تنال أيدي التحريف إليه.
الوجه الثاني: آيات من نفس الكتاب العزيز كالصريحة في الدلالة على عدم التحريف، و لا يخفى أنّ الاستدلال بها ليس دوريّاً لأنّ المدّعى يدّعي التحريف بالنقيصة لا الزيادة و القرآن الموجود في يومنا هذا بما فيه من الآيات مقبول عند الجميع:
منها قوله تعالى: «وَ قَالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لمجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلّا بِالْحَقِّ وَ مَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» [١] و لتقريب دلالة هذه الآية على المقصود لا بدّ من تفسير كلمتين: «الذكر» و الحفظ» فما المراد من الذكر؟ و ما المراد من الحفظ؟
فنقول: أمّا معنى كلمة الذكر فواضح لأنّ قوله تعالى: «وَ قَالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ» شاهد قطعي على أنّ المراد من الذكر في قوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ» هو القرآن بل هذه الآية تدلّ على شهرة هذا الاسم للقرآن بحيث يستعمله الكفّار المنكرون للوحي أيضاً.
أضف إلى ذلك وجود آيات كثيرة تطلق هذا الاسم على القرآن: منها قوله تعالى: «وَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» [٢]، و منها قوله تعالى: «وَ هَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ» [٣]، و الأوضح منها قوله تعالى: «إِنْ هُوَ إِلّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ» [٤]، و قوله تعالى: «أَ أُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي» [٥]، و قوله تعالى: «وَ إِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ» [٦] و قوله تعالى: «وَ مَا هُوَ إِلّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ» [٧].
[١] سورة الحجر: الآية ٦- ٩.
[٢] سورة النحل: الآية ٤٤.
[٣] سورة الأنبياء: الآية ٥٠.
[٤] سورة يس: الآية ٦٩.
[٥] سورة ص: الآية ٨.
[٦] سورة القلم: الآية ٥١.
[٧] سورة القلم: الآية ٥٢.