أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٢٢ - أدلّة القائلين بعدم تحريف كتاب اللَّه
و ما قد يقال: من أنّ المراد منه هو النبي ٦ و قوله تعالى: «نَزَّلْنَا» بمعنى «أرسلنا» و ذلك بقرينة قوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ» [١] حيث إن كلمة «رسولًا» وقعت في هذه الآية بدلًا عن كلمة «ذكراً» فيكون الذكر بمعنى الرسول.
فجوابه أوّلًا: لو سلّم استعمال الذكر في خصوص هذه الآية في الرسول مجازاً فهو لا يوجب استعماله فيه مجازاً أيضاً في سائر الآيات من دون نصب قرينة عليه مع صراحته في تلك الآيات في القرآن.
ثانياً: إنّ استعماله في الرسول في هذه الآية أيضاً محلّ كلام، لأنّه لا مناصّ في الآية من ارتكاب أحد خلافي الظاهر: أحدهما إطلاق الذكر على الرسول مع عدم كونه في اللغة بمعنى الرسول كما هو واضح، و ثانيهما كون الرسول مفعولًا به لفعل محذوف أعني «أرسل»، و كثير من المفسّرين رجّحوا الثاني على الأوّل و هو المختار في كتابنا في التفسير.
ثالثاً: لو سلّمنا أنّ الذكر في الآية المبحوث عنها في محلّ النزاع بمعنى الرسول لكن لا بأس أيضاً بالاستدلال بها على المطلوب ببيان إنّه إذا دلّت الآية على محافظته تعالى عن الرسول فتدلّ على حفظه للقرآن الكريم بطريق أولى.
و أمّا كلمة الحفظ: فيحتمل فيها وجوه عديدة:
أحدها: أن يكون المراد منها الحفظ المنطقي و الاستدلالي، و يكون المقصود حينئذٍ أنّه لا يصير مغلوباً لأي منطق و استدلال.
الثاني: أن يكون بمعنى العلم، أي «و إنّا له لعالمون».
الثالث: أن يكون المراد منه الحفظ من جميع الجهات من الزيادة و النقصان و من المقابلة بالمثل و الغلبة بالمنطق و غيرها، و هذا هو الظاهر، و لا دليل على التحديد و التقييد.
إن قلت: إن كان المراد من الحفظ الحفظ العامّ و من جميع الجهات فهو متيقّن العدم لما وقع في التاريخ بالنسبة إلى مصاحفه من الاندراس و الصبّ في البحر و إحراقها من جانب عثمان و غيره أحياناً بأي غرض كان، و إن كان المراد منه حفظ ما، فهو حاصل و لو بالقرآن المحفوظ عند
[١] سورة الطلاق: الآية ١٠.