أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٢٤ - أدلّة القائلين بعدم تحريف كتاب اللَّه
الباطل في قوله تعالى: «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لَا مِنْ خَلْفِهِ» فقد ذكر فيه وجوه عديدة:
أحدها: كونه بمعنى المقابلة بالمثل فيكون المعنى حينئذٍ «لا يأتيه مثل له حتّى يبطله».
ثانيها: أن يكون بمعنى الشيطان، فيكون المراد أنّ الشيطان لا يمكنه أن يحرّفه أو يمحوه من القلوب.
ثالثها: كونه بمعنى النسخ، أي لا تضادّه الكتب السماويّة من قبل و لا ينسخه كتاب سماوي من بعد.
رابعها: أن يكون بمعنى الكذب في الأخبار كما نقل الطبرسي (رحمه الله) عن الإمام الباقر ٧:
«ليس في أخباره عمّا مضى باطل و لا عمّا يكون في المستقبل باطل» [١].
خامسها: كونه بمعنى مطلق البطلان، فيكون المقصود: لا يأتيه أي باطل من أي جهة من الجهات كما ورد في مجمع البيان: «لا تناقض في ألفاظه و لا كذب في أخباره و لا يعارض و لا يزداد و لا يغيّر» [٢].
و هذا هو المختار لأنّه لا وجه للتقييد ما دام لم توجد قرينة عليه، و قوله تعالى في الذيل:
«تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» بمنزلة التعليل للصدر، أي كما أنّ المنزل منه يكون عالماً حكيماً و منعماً حميداً إلى الأبد لا بدّ أن يكون المنزل الذي هو حكمة من جانب و نعمة من جانب آخر باقياً بين الناس أيضاً.
و أمّا تفسير الباطل بالكذب في الرّواية فهو من باب ذكر أحد المصاديق الواضحة و ما كان محلًا لحاجة الناس.
إن قلت: إن كان المراد من عدم إتيان الباطل عدمه على نهج القضيّة الكلّية فهو قطعي البطلان (كما مرّ نظيره في الآية السابقة) و إن كان المراد عدم الإتيان على نهج القضيّة الجزئيّة فهو يصدق بالنسبة إلى المصحف الموجود عند الإمام الحجّة ٧ فلا يثبت عدم إتيانه الباطل بالإضافة إلى غيره من المصاحف.
قلنا: الجواب هو الجواب، و هو أنّ الحفظ أو عدم إتيان الباطل مفهوم عرفي و القرآن كتاب
[١] مجمع البيان: ج ٩، ص ٢٣، طبع دار المعرفة في بيروت.
[٢] المصدر السابق: