أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٤٥ - الأمر الثالث في اختلاف القراءات
يمكن أن يدّعي أنّ أوّل من قال عندهم بالتحريف هو عائشة، و الثاني عمر، و الثالث ابن عبّاس، و قد عرفت أنّ المحقّقين منّا و منهم رفضوا القول بالتحريف مطلقاً.
الأمر الثالث: في اختلاف القراءات
و يبحث فيه أنّ الاختلاف في القراءة هل يوجب سقوط حجّية القرآن في الآية المختلف في قراءتها، أو لا؟
فنقول: الاختلاف في القراءة على وجهين: تارةً لا يوجب تغييراً في المعنى كالاختلاف في قوله: «خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ» [١] بالنسبة إلى كلمة «ضعف» التي قرأت بالفتح في قراءة عاصم برواية الحفص، و بالضمّ في بعض القراءات الاخرى و قراءة عاصم برواية غير الحفص.
و اخرى يكون مغيّراً للمعنى كالاختلاف في قوله تعالى: «فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الَمحِيضِ وَ لَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ» [٢] بالنسبة إلى قوله «يطهرن» ففي قراءة الحفص و جماعة ورد بالتخفيف، و في قراءة جماعة اخرى بالتشديد، و هو على الأوّل ظاهر في النقاء عن الدّم، و نتيجته جواز الوقاع قبل الغسل و بعد انقطاع الدم، و على الثاني ظاهر في الاغتسال (و إن كان عندنا محلّ كلام) و نتيجته عدم جواز الوقاع قبل الغسل و بعد النقاء.
و كيف كان، فإنّ هنا ثلاث مسائل:
المسألة الاولى: في تواتر القراءات و عدمه، و فيه ثلاث احتمالات:
الأوّل: تواتر القراءات.
الثاني: عدم التواتر مع حجّية جميعها.
الثالث: عدم التواتر مع حجّية واحد منها فقط و إن كانت القراءة في الباقي جائزة.
فنقول: لا دليل على تواتر القراءات و كونها موجودة في زمن النبي ٦ نزل بها جبرئيل ٧، لأنّ تواترها يتوقّف على تحقّق التواتر في ثلاث مراحل: التواتر بيننا و بين القرّاء، و التواتر بين القرّاء أنفسهم، و التواتر بين القرّاء و بين النبي ٦ بينما المعروف أنّ لكلّ واحد من القرّاء السبعة راويين فقط، فلا يتحقّق التواتر في المرحلة الاولى، مضافاً إلى أنّ هذين الراويين
[١] سورة الروم: الآية ٥٤.
[٢] سورة البقرة: الآية ٢٢٢.