أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٩١ - الثالث فيما إذا شكّ في أنّ المولى هل هو في مقام البيان أو لا؟
أقول: إنّا نسأل: هل المولى الذي يكون في مقام البيان و يجعل مفهوم المطلق متعلّق حكمه، يلاحظ و يتصوّر الحالات و العوارض الفرديّة و ينظر إليها أو لا؟ فإن قلتم أنّه لم يلاحظها و لو إجمالًا، قلنا: بأنّ هذا خلاف معنى الإطلاق و هو عدم دخالة القيد و مخالف لكون المولى في مقام البيان حيث إن عدم جعل القيد دخيلًا مع كونه في مقام البيان معناه أنّه نظر إلى القيود و لو إجمالًا فلم يرها دخيلة في مقصوده و قال «اعتق الرقبة» مثلًا، و إن قلتم أنّه نظر إليها و لاحظها ثمّ حكم بعدم دخالتها فليس هذا إلّا السريان و أنّ المطلق شامل لجميع الأفراد بعد إجراء مقدّمات الحكمة.
و الحاصل أنّ كون المطلق تمام المطلوب لا يمكن إلّا بعد لحاظ سائر القيود و لو إجمالًا و نفى دخالتها فإنّ هذا هو المفهوم من لفظ تمام المراد فإنّ مفهومه أنّ المطلوب هو هذا لا غير، و هذا أمر ظاهر.
الثاني: ما الفرق بين العام و المطلق؟
(لا سيّما على المختار من أنّ المطلق أيضاً يدلّ على الشمول بدليّاً كان أو استغراقياً).
إنّ الشمول في المطلق يستفاد من مقدّمات الحكمة بينما في العام يستفاد من وضع اللفظ، و لا يخفى أنّ هذا الفرق مبنيّ على المختار و هو دلالة المطلق أيضاً على الشمول، و إلّا فإن قلنا بدلالته على الطبيعة المرسلة فقط فالفرق أوضح، حيث إن العام يدلّ على الشمول و هو لا يدلّ عليه.
نعم، يبقى الكلام في ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) و جماعة من أنّ استفادة العموم من العام أيضاً يتوقّف على إجراء مقدّمات الحكمة في مدخوله فحينئذٍ يشكل الفرق بينهما.
الثالث: فيما إذا شكّ في أنّ المولى هل هو في مقام البيان أو لا؟
فما هو مقتضى الأصل و القاعدة الأوّليّة؟
نقول: إنّ مقتضى الأصل اللفظي العقلائي كونه في مقام البيان و يؤيّده السيرة المستمرّة للفقهاء و المجتهدين في التمسّك بالإطلاقات و العمومات مطلقاً إلّا فيما إذا أحرز كونه في مقام الإجمال و الإهمال فإنّهم مع فقد هذا الإحراز يأخذون بالإطلاق كما تشهد به سيرتهم العمليّة في أبواب الفقه.