أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٨٩ - المقام الثالث في دلالة المطلق على الشمول و السريان و بيان مقدّمات الحكمة
و صار اللفظ حقيقة في المنصرف إليه.
هذا- و الإنصاف أنّ الانصراف ينقسم في الواقع إلى قسمين بدوي و ثابت مستمرّ، و الانصراف البدوي هو ما يزول بالتأمّل، و الثابت ما لا يزول به و أمّا هذه الأقسام الخمسة فالخامس منها خارج عن ما نحن فيه لصيرورة اللفظ فيه حقيقة في المعنى الجديد، و أمّا الباقي ففي الحقيقة بيان لمنشإ الانصراف.
إذا عرفت هذا فنقول: و الذي عدّ من مقدّمات الحكمة هو عدم الانصراف بالمعنى الثاني، أي عدم الانصراف الثابت، لكنّ الحقّ أنّ هذه المقدّمة أيضاً ترجع حقيقة إلى المقدّمة الثانية، و هي انتفاء ما يوجب التعيين حيث إن الانصراف هو ممّا يوجب تعيين المعنى كما لا يخفى.
أمّا المقدّمة الخامسة: (و هي انتفاء القد المتيقّن في مقام التخاطب) فحاصل بيان المحقّق الخراساني (رحمه الله) فيها: أنّه إذا كان المتيقّن تمام مراد المولى و هو لم يذكر القيد اعتماداً على ذلك المتيقّن لم يخلُ بغرضه.
و التحقيق في المسألة: أنّ القدر المتيقّن على قسمين: تارةً يكون المتيقّن متيقّناً بحسب مقام التخاطب، و اخرى بحسب الخارج، فالقسم الأوّل مثل أن يسأل العبد من مولاه: «هل أكرم النحويين؟» و أجاب المولى بقوله: «أكرم العالم» فلا ريب في أنّ النحويين بقرينة ذلك السؤال هو القدر المتيقّن في مقام التخاطب، بينما القدر المتيقّن بحسب الخارج هو الفقهاء و المجتهدين مثلًا للقطع بوجود الملاك فيهم، فالميزان في القدر المتيقّن بحسب مقام التخاطب هو وجود سؤال أو قرينة يكون بمنزلة شأن نزول كلام المولى، و الميزان في القدر المتيقّن بحسب الخارج القطع بوجود الملاك.
و كيف كان، فإنّ المختار في المقام هو عدم اعتبار هذه المقدّمة كما صرّح به جماعة من الأعلام أيضاً.
و يدلّ عليه وجوه ثلاثة: أحدها: استلزامها عدم إمكان التمسّك بكثير من الإطلاقات الواردة في الكتاب و السنّة مع أنّ السيرة العمليّة للفقهاء و المتشرّعين قامت على خلافه فإنّهم لا يعتنون بشأن نزول الآيات و مورد السؤال في الرّوايات إذا كان الجواب مطلقاً.
ثانيها: أنّ وجود القدر المتيقّن ليس من قبيل القيود الاحترازيّة التي يأخذها المتكلّم في كلامه و يكون لها لسان إثبات و لسان نفي، إثبات الحكم لنفسها و نفي الحكم عن غيرها، بل