أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٥٥ - إثبات صغرى الظهور (حجّية قول اللغوي)
الوجه الثالث: من الأدلّة هو التمسّك بالانسداد الصغير، و هو انسداد باب العلم و العلمي في بعض الموضوعات مقابل الانسداد الكبير الذي هو عبارة عن انسداد باب العلم و العلمي بالنسب إلى معظم الأحكام، و لذا يعتمد على قول المرأة في الطهر و الحيض و شبههما ممّا لا يعلم إلّا من قبلها، كما أنّ قول من يكون وكيلًا لعدّة من الأشخاص حجّة في تعيين نيّته و أنّه باع هذا المتاع مثلًا من جانب أي موكّل من موكّليه لأنّ النيّة أيضاً ممّا لا يعلم إلّا من قبله، كذلك في ما نحن فيه حيث إن الحاجة بقول اللغوي في المسائل الفقهيّة كثيرة جدّاً لأنّه (كما أفاد شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) في رسائله) «يمكن الوصول الإجمالي إلى معاني اللغات بطريق العرف و التبادر و القواعد العربيّة المستفادة من الاستقراء القطعي و اتّفاق أهل العربيّة بضميمة أصالة عدم القرينة إلّا أنّه لا مناصّ من الرجوع إلى أهل اللغة في فهم تفاصيل المعاني و جزئياتها» كما في لفظ الكنز مثلًا فنعلم إجمالًا أنّه اسم لأمر مستند مخفي، و لكن هل يعتبر فيه أن يكون مستتراً تحت الأرض، أو يعمّ مثلًا المخفيّ في جوف الجدار أيضاً؟
و حينئذٍ يأتي الإشكال الذي بيّن في الانسداد الكبير، و هو محذور جريان الاحتياط مطلقاً أو جريان البراءة مطلقاً، فالأوّل يوجب العسر و الحرج و اختلال النظام، و الثاني يوجب تفويت المصالح الكثيرة الواقعيّة التي نعلم أنّ الشارع لا يرضى بتفويتها.
أقول: و إشكاله واضح ما لم يرجع إلى الانسداد الكبير، لأنّ الاحتياط في موارد الشكّ هنا ممكن أن لا يوجب اختلال النظام و لا العسر و الحرج.
فالأولى أن يقال: إنّ المهمّ و الأساس في المقام هو الدليل الثاني، أي بناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة، فأنّ فلسفة كثير من بناءات العقلاء في كثير من الموارد و منها بناؤهم في الرجوع إلى الخبرة هو هذا الانسداد الصغير، ففي باب الأمارات مثلًا منشأ بنائهم على حجّية قول ذي اليد و أماريتها على الملك، أو حمل فعل الناس على الصحّة كحمل فعل الوكيل في المعاملة على صحّة العقد هو الانسداد الصغير كما لا يخفى.
فمنشأ بناء العقلاء في المقام هو هذا النوع من الانسداد كما أنّ منشأ اتّفاق العلماء على الرجوع إلى أهل الخبرة أيضاً لعلّه يكون هذا المعنى، و على هذا الأساس يرجع الدليل الأوّل و الثالث إلى الدليل الثاني.
و كان ينبغي للشيخ الأنصاري (رحمه الله) أن يتمسّك بهذا الوجه الثاني لا الوجه الأوّل و الثالث