أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٣ - ٣- الكلام في مفهوم الغاية
«أكرم زيداً إلى أن يقدم الحاج» هو المغيّى بالغاية التي هي قدوم الحاج، وعليه فلا جرم تكون القضيّة دالّة على انتفاء سنخ وجوب الإكرام عن زيد عند الغاية، من جهة أنّ احتمال ثبوت شخص وجوب آخر له فيما بعد الغاية ممّا يدفعه قضية الإطلاق المثبت لانحصاره في ذلك الفرد من الطلب الشخصي، نعم لو كانت الغاية في القضيّة راجعة إلى خصوص الموضوع أو المحمول (لا إلى النسبة الحكميّة) لكان للمنع عن الدلالة على ارتفاع سنخ الحكم عمّا بعد الغاية كمال مجال [١].
أقول: لا يخفى أنّ مرجع أكثر هذه البيانات إلى أنّ القيد إن كان قيداً للحكم يدلّ على المفهوم، و إن لم يكن قيداً للحكم لا يدلّ على المفهوم، مع أنّه قد مرّ أنّ القيد في جميع الموارد يرجع إلى الحكم إلّا أنّه تارةً يرجع إليه بلا واسطة، و اخرى يرجع إليه مع الواسطة (و هي الموضوع أو المتعلّق).
هذا- مضافاً إلى أنّ أداة الغاية إنّما هي من أداة الجرّ، و لا إشكال في أنّ الجار و المجرور متعلّق بالفعل دائماً كما قرّر في محلّه، و بهذا اللحاظ تكون الغاية قيداً للحكم بلا واسطة في جميع الموارد و لو قلنا بأنّ الوصف قد يكون قيداً للموضوع.
و أمّا ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) من أنّ قيد «إلى الكوفة» في قولك «سر من البصرة إلى الكوفة» قيد للموضوع (أي المفهوم الافرادي على تعبيره) و هو السير، من باب أنّ الغاية و هي الكوفة في هذا المثال داخلة في المغيّى- فهو في غير محلّه، لأنّ مرجع جميع القيود هو الفعل و إن كانت راجعة ابتداءً إلى الموضوع.
هذا- مضافاً إلى عدم الدليل على دخول الغاية (و هو الكوفة) في المثال المزبور في المغيّى و لا شاهد له.
و منه يظهر الحال فيما أفاده في المحاضرات.
و أمّا كلام المحقّق العراقي (رحمه الله) فيرد عليه: أنّ رجوع القيد إلى النسبة الحكميّة لا ينفكّ في الحقيقة عن الرجوع إلى الحكم، و أيّ فرق بين تقييد وجوب إكرام زيد بمجيئه، أو تقييد نسبة الوجوب إلى الإكرام بذلك؟
[١] راجع نهاية الأفكار: ج ١، ص ٤٩٧- ٤٩٨.