أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥ - ٣- الكلام في مفهوم الغاية
و فيه: إنّ المسألة لفظية لا مدخل للعقل فيها بل لا بدّ فيها من الرجوع إلى الاستظهارات العرفيّة من اللفظ.
و استدلّ في تهذيب الاصول بأنّ الكوفة لو كانت اسماً لذلك الموضع المحصور بسورها و جدرانها و فرضنا أنّ المكلّف سار من البصرة منتهياً سيره إلى جدرانها من دون أن يدخل جزء من الكوفة يصدق أنّه أتى بالمأمور به و امتثل، و يشهد على ما ذكرنا صدق قول القائل:
«قرأت القرآن إلى سورة الإسراء» إذا انتهى به القراءة إلى الإسراء، و لم يقرأ شيئاً من تلك السورة، و قس عليه نظائره و أشباهه [١].
أقول: لا يرد عليه ما أوردناه على المحقّق الخراساني (رحمه الله)، فإنّه قد ورد في المسألة من بابها، أي من طريق العرف و الاستظهارات العرفيّة.
و لكن يرد عليه أيضاً: إنّا لا نحرز كون حكم العرف بذلك من باب ظهور اللفظ، بل لعلّه لأجل جريان أصل البراءة عن الأكثر، أي عن وجوب السير في الكوفة، و ذلك من باب عدم قيام دليل على وجوبه و قصور اللفظ عنه، فتصل النوبة إلى أصالة البراءة، و تظهر الثمرة بينهما فيما عارضه دليل لفظي آخر، فعلى الأوّل يكون من قبيل المتعارضين، و على الثاني ترفع اليد عن الأصل العملي بسبب الأمارة.
أمّا القول الثالث: و هو التفصيل بين ما إذا كانت الغاية متّحدة في الجنس مع المغيّى و ما إذا كانت مختلفة معه- فلم نتحقّق له وجهاً، و الإنصاف أنّه و إن كان من الممكن أن يصير الاتّحاد في الجنس قرينة على الدخول إلّا أنّ دعواه على نحو كلّي شامل لجميع الموارد مشكلة جدّاً.
و أمّا القول الرابع: و هو التفصيل بين كلمة «حتّى» و «إلى»- فاستدلّ له المحقّق النائيني (رحمه الله) بأنّ «كلمة حتّى تستعمل غالباً في ادخال الفرد الخفي في موضع الحكم فتكون الغاية حينئذٍ داخلة في المغيّى لا محالة» [٢] و لكنّه إنّما نشأ من الخلط بين حتّى العاطفة و الخافضة (كما أشار إليه بعض الأعلام في هامش أجود التقريرات) فهي في جميع الموارد التي استعملت لادخال الفرد الخفي كما في قولنا: «مات الناس كلّهم حتّى الأنبياء» (فإنّ الأنبياء في هذا المثال يعدّ فرداً خفياً بالنسبة إلى حكم الموت) لا تدلّ على كون ما بعدها غاية لما قبلها بل هي من أداة العطف حينئذٍ كما لا يخفى.
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٣٦٦، طبع مهر.
[٢] أجود التقريرات: ج ١، ص ٤٣٦.