أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧٠ - المسلك الرابع الإجماع الحدسي
و الاجتماعي الموجود في عصر الشيخ الطوسي (رحمه الله)، و إليك نصّها: «أمّا بعد فإنّي لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقّهة و المنتسبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الإماميّة و يستنزرونه و ينسبونهم إلى قلّة الفروع و قلّة المسائل، و يقولون: إنّهم حشو و مناقضة، و إنّ من ينفي القياس و الاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل و لا التفريع على الاصول، لأنّ جلّ ذلك و جمهوره مأخوذ من هذين الطريقين، و هذا جهل منهم بمذاهبنا و قلّة تأمّل لُاصولنا، و لو نظروا في أخبارنا لعلموا أنّ جلّ ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا و منصوص عليه تلويحاً من أئمّتنا ... (إلى أن قال): و كنت على قديم الوقت و حديثه مشوق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك (التفريعات) تتشوّق نفسي إليه فيقطعني عن ذلك القواطع و تشغلني الشواغل و تضعف نيّتي أيضاً فيه قلّة رغبة هذه الطائفة فيه و ترك عنايتهم به لأنّهم ألفوا الأخبار و ما رووه من صريح الألفاظ حتّى أنّ مسألة لو غيّر لفظها و عبّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها و قصر فهمهم عنها، و كنت عملت على قديم الوقت كتاب النهاية و ذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنّفاتهم و اصولها من المسائل و فرّقوه في كتبهم، و رتّبته ترتيب الفقه و جمعت من النظائر، و رتّبت فيه الكتب على ما رتّبت للعلّة التي بيّناها هناك و لم أتعرّض للتفريع على المسائل و لا لتعقيد الأبواب و ترتيب المسائل و تعليقها و الجمع بين نظائرها بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة حتّى لا يستوحشوا من ذلك» [١] (انتهى).
فالمستفاد من هذه العبارات و صريحها أنّ المقبول من التأليفات في ذلك العصر و ما تقدّمه إنّما هو ما كان مأخوذاً من متون الرّوايات و صريح ألفاظها، فإذا اتّفق علماء ذلك الزمان على مسألة فالإنصاف أنّه يمكن الحدس القطعي من ذلك عن وجود دليل معتبر سنداً و دلالة (أمّا من ناحية السند فلو فرض ضعفه لجبر بعملهم، و أمّا من ناحية الدلالة فلأنّه لو كان له من هذه الناحية خفاء لخالف بعضهم على الأقل) أو يكشف ذلك عن أخذ هذا الحكم عن المعصوم ٧ جيلًا بعد جيل و إن لم يذكر في رواياتهم.
فقد ظهر ممّا ذكرناه أوّلًا: أنّ ثلاثة من الأقسام الأربعة للإجماع تامّة كبرى، و هي الإجماع
[١] المبسوط: ج ١، ص ١- ٣، الطبعة الثانية، طبع المطبعة الحيدرية.