أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٠٩ - الدليل الأول الكتاب
لأنّ المفروض عدم وجود تقدير في الآية، فالواجب على الجميع النفر للتفقّه هناك.
الوجه الثالث: أن يكون المراد من النفر النفر إلى محضر الرسول ٦ لتحصيل الدين، و معنى الآية: لا يجوز لمؤمني البلاد أن يخرجوا كافّة من أوطانهم إلى المدينة للتفقّه للزوم اختلال النظام.
و هذا الوجه و إن يوجب التخلّص من إشكال التقدير و لكن يرد عليه:
أوّلًا: أنّ النهي عن شيء إنّما يصحّ فيما إذا كان الشخص في معرض ارتكاب ذلك الشيء، و هو ممنوع في مورد الآية، لأنّا لا نرى من نفر جميع المسلمين إلى محضر الرسول للتفقّه أثراً في الأخبار و التاريخ.
ثانياً: أنّه خلاف اتّحاد سياق هذه الآية مع الآية السابقة و اللاحقة لأنّ موردها هو الجهاد.
الوجه الرابع: أن تكون الآية ناظرة إلى جماعة من الصحابة كانوا يتوجّهون من المدينة إلى القبائل لتبليغ الأحكام و الناس يهدون إليهم هدايا و عطايا، و صار هذا الأمر سبباً لاتّهامهم بعدم الخلوص في نيّاتهم فتركوا هذه الرسالة، فنزلت الآية.
و يرد على هذا الوجه أيضاً أنّه لا يساعد صدر الآية الظاهر في أنّ جميع المؤمنون كانوا يخرجون من المدينة، بينما المفروض في هذا الوجه خروج جماعة منهم، هذا أوّلًا.
و ثانياً: لازم هذا الوجه أن يكون النفر للتعليم لا للتفقّه.
الوجه الخامس: أن نلتزم بالتفكيك بين النفر الأوّل و بين النفر الثاني، فيكون الأوّل بمعنى النفر إلى الجهاد، و الثاني بمعنى النفر إلى التفقّه، فمعنى الآية: أيّها المؤمنون لا يخرج جميعكم إلى الجهاد بل تخرج طائفة إليه و طائفة إلى التعلّم و التفقّه.
و فيه: أنّه خلاف وحدة السياق فإنّها تقتضي أن يكون النفر في الآية بمعنى واحد.
فقد ظهر من جميع ما ذكرنا أنّه يلزم ارتكاب خلاف الظاهر على كلّ حال.
لكن الإنصاف أنّ أخفّها مئونة و أقلّها محذوراً هو التفسير الأوّل كما يؤيّده ما ورد في ذيل الآية من شأن النزول فإنّها وردت بعد نزول آيات الجهاد و ذمّ المنافقين لأجل تركهم الجهاد، فكان المؤمنون يخرجون إلى الجهاد جميعاً لئلا يعمّهم ذمّ الآيات، فنزلت الآية و نهت عن خروج الجميع، هذا أوّلًا.
و يؤيّده ثانياً: ما رواه الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان (و أسنده إلى الإمام الباقر ٧