أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٦٣ - الفصل الثاني عشر الكلام في النسخ و البداء
الفصل الثاني عشر: الكلام في النسخ و البداء
و الوجه في التعرّض لهذه المسألة في ما نحن فيه أمران:
أحدهما: ربط مسائل العام و الخاصّ بالنسخ كما ظهر ممّا سبق.
ثانيهما: كونها من المبادئ الأحكاميّة التي تبحث عنها في علم الاصول كالبحث عن تضادّ الأمر و النهي، هذا بالنسبة إلى النسخ، و أمّا البداء فلأنّ له صلة قريبة و علاقة شديدة بالنسخ كما سيتّضح لك إن شاء اللَّه.
و كيف كان: لا بدّ أوّلًا: أن نبحث في المعنى اللغوي للنسخ، قال الراغب في مفرداته: «النسخ إزالة الشيء بشيء يتعقّبه كنسخ الشمس الظلّ و الظلّ الشمس و الشيب الشباب، فتارةً يفهم منه الإزالة و تارةً يفهم منه الإثبات و تارةً الأمران» (أي الإزالة و الإثبات كلاهما) ثمّ قال بعد فصل: «و نسخ الكتاب نقل صورته المجرّدة إلى كتاب آخر و ذلك لا يقتضي إزالة الصورة الاولى بل يقتضي إثبات مثلها في مادّة اخرى كالمناسخة في الميراث» فيستفاد من هذه العبارة إنّه أشرب في ماهيّة النسخ أمران: الإزالة و الإثبات، و لذلك قد يستعمل النسخ في خصوص معنى الإزالة و قد يستعمل في خصوص معنى الإثبات، و من هنا أخذ معنى التناسخ في القول بتناسخ الأرواح لأنّ القائل به يقول: أنّ الروح يزول عن بدن و يثبت في بدن آخر. هذا في معنى النسخ لغةً.
و أمّا في الاصطلاح فذكر له معانٍ مختلفة، فقال المحقّق الخراساني (رحمه الله): «إنّ النسخ دفع الحكم الثابت إثباتاً إلّا أنّه في الحقيقة دفع الحكم ثبوتاً».
و قال المحقّق النائيني (رحمه الله): «النسخ انتهاء أمد الحكم المجعول لانتهاء الحكمة الداعية إلى جعله» و قال في المحاضرات: «النسخ رفع أمر ثابت في الشريعة المقدّسة بارتفاع أمده و زمانه».