أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٦٥ - الفصل الثاني عشر الكلام في النسخ و البداء
كالواجبات الموقّتة مثل الصّوم و الحجّ في القسم الأوّل، و كالإجارة في القسم الثاني و كبعض مناصب الحكومة في عصرنا هذا في القسم الثالث، و قد يكون مطلقاً كوجوب تطهير المسجد من النجاسة و أداء الدَّين في القسم الأوّل و كالملكيّة الحاصلة من البيع في القسم الثاني حيث إن البيع ينعقد مطلقاً و إن كان البائع أو المشتري عازماً على الفسخ، و لذا لا يصحّ أن يقول:
«ملكتك إلى شهر» و لا أن يقول: «ملكتك إلى الأبد» بل الملكيّة إذا حصلت بقيت بذاتها، و كالقضاوة و الوزارة في القسم الثالث لأنّه ما لم يعزل القاضي أو الوزير عن منصب القضاوة و الوزارة يكون باقياً على منصبه بمقتضى طبيعة ذاتهما.
إذا عرفت هذا فنقول: لا إشكال في أنّ الحكم الذي انشئ على نحو الإطلاق و كان من القسم الثاني و الثالث يدوم و يستمرّ بمقتضى طبعه و ذاته و لذلك يعبّر فيهما بالفسخ و العزل، فإنّ الفسخ أو العزل هو رفع ما يكون ثابتاً باقياً حتّى في مقام الثبوت، ثمّ نقول: كذلك في القسم الأوّل، أي الأحكام التكليفيّة التي تصدر و تنشأ من جانب الشارع مطلقاً و يكون مقتضى طبعها و ذاتها الدوام و الاستمرار بلا فرق بينها و بين الأحكام الوضعيّة و المناصب المجعولة، و بلا فرق بين مقام الثبوت و مقام الإثبات فيكون وزان النسخ فيها وزان الفسخ و العزل فيهما، أي أنّ النسخ أيضاً رفع الحكم الثابت لا الدفع، فكما أنّ الأحكام الوضعيّة المطلقة و المناصب المجعولة المطلقة كان مقتضى طبعها و ذاتها الدوام و البقاء فتكون باقية ما لم يفسخ و ما لم يعزل كذلك الأحكام التكليفيّة المطلقة يكون مقتضى طبعها الدوام و البقاء و تكون باقية ما لم ينسخ، فوزانها وزانهما كما أنّ وزان النسخ وزان الفسخ و العزل، و لذلك نقول: كذلك في الشرائع السابقة فإنّ مقتضى طبعها أيضاً الدوام ما لم تأت شريعة اخرى، فمثلًا شريعة عيسى ٧ لم تكن مقيّدة بمقدار خمسمائة سنة بل إنّها بأحكامها كانت مطلقة في مقام الثبوت و الإنشاء، مقتضية للبقاء و الاستمرار، و هكذا مسألة القبلة في شريعتنا كانت بذاتها مقتضية للدوام و الاستمرار ما لم تنسخ من ناحية الشارع.
إن قلت: فما الفرق بين الشارع و غيره في النسخ؟
قلنا: لا فرق بينهما بالنسبة إلى ماهيّة النسخ و حقيقته، فإنّه رفع الحكم ثبوتاً و إثباتاً في كلا الموردين، إنّما الفرق من جهتين:
الاولى: جهل العقلاء بعدم المصلحة حدوثاً و من أوّل الأمر فيما إذا كانت المصلحة مفقودة