أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٤٧ - الفصل التاسع الكلام في الاستثناء المتعقّب للجمل المتعدّدة
غير الأخيرة في عمومها فيما إذا رجع الاستثناء إلى الأخيرة و أنّها ليست مكتنفة بما يصلح للقرينية حتّى تصير مجملة، و ذلك لتوهّم أنّ الإجمال يستلزم الإخلال بالمقصود، مع أنّه (كما مرّ) قد يكون المقصود نفس الإجمال و الإهمال، و كلمة الاستثناء في الأمثلة المذكورة إن لم تكن كافية لبيان تمام المقصود تكفي للإجمال.
و قد يقال: إنّ هذا (التفصيل المزبور) خلط حقيقة بين أداة الاستثناء التوصيفي و أداة الاستثناء غير التوصيفي ففي القسم الأوّل فحيث أنّه لا يجوز التوصيف للضمير المتّصل يرجع الوصف في مثل «أكرم العلماء و أضفهم إلّا الفسّاق منهم» أي الشقّ الثاني من التفصيل إلى الجملة الاولى، أي يصير الوصف وصفاً للعلماء في المثال، فيخصّص به حكم الإكرام و بتبعه يخصّص أيضاً ما بعده و هو حكم الضيافة في المثال، و أمّا في القسم الثاني أي الاستثناء غير التوصيفي فيمكن رجوعه إلى الأخيرة كما يمكن رجوعه إلى الجميع و نسبته بالنسبة إلى كلّ واحد منهما سواء و ليس ظاهراً في خصوص أحدهما حتّى يصير الكلام مجملًا، هذا كلّه في الشقّ الثاني من التفصيل، و أمّا الشقّ الأوّل، أي ما إذا تكرّر عقد الوضع فادّعاء الظهور في الرجوع إلى الأخيرة مصادرة و دعوى بلا دليل.
أقول: كلامه في كلا شقّي التفصيل صحيح و مقبول، و لكن الإشكال إنّما هو في أنّ الأمثلة المذكورة في ما نحن فيه ظاهر جميعها الاستثناء غير التوصيفي لأنّ ظاهرها الاستثناء عن الحكم لا الموضوع، فلا معنى لكونه وصفاً حينئذٍ، بل الاستثناء التوصيفي لا يأتي إلّا في موارد خاصّة كباب الأعداد نحو «فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلّا خَمْسِينَ عاماً» [١]، و بالجملة المتبادر من الاستثناء (إلّا في بعض الموارد) هو الاستثناء عن الحكم، و ظاهره حينئذٍ عدم الوصف نحو «أكرم العلماء إلّا الفسّاق» فليس الظاهر منه «أكرم العلماء المتّصفين بأنّهم غير الفسّاق».
ثمّ إنّه ينبغي هنا أن نشير إلى نكتة و هي أنّ محلّ النزاع في ما نحن فيه ما إذا لم- توجد في البين قرينة مع أنّ المثال المعروف و هو آية القذف المذكورة في صدر المسألة ليس خالياً عنها، و هي أنّ المشهور على قبول شهادة القاذف إذا تاب بل لعلّه إجماعي كما ذكره الفاضل المقداد حيث قال: «و إن تاب قبلت شهادته عندنا و عند الشافعي، و هو قول أكثر التابعين، و قال أبو
[١] سورة العنكبوت: الآية ١٤.