أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٦ - ٣- الكلام في مفهوم الغاية
و قد ظهر بما ذكرنا ضعف القول الأوّل أيضاً (و هو الدخول مطلقاً) كما ظهر أنّ الحقّ هو القول الخامس، و هو أنّه لا ظهور لأداة الغاية لا في دخول الغاية في المغيّى و لا في خروجها عنه، فلا بدّ من تعيين ما تقتضيه القرينة، و هي مختلفة بحسب اختلاف المقامات و المناسبات، و مع عدم وجود قرينة يصير الكلام مجملًا، و قد يؤيّد ذلك ما نشاهده في المحاورات العرفيّة من السؤال عن أنّ الغاية داخلة في المغيّى أو خارجة عنه؟ ففي ما إذا قيل مثلًا: «اقرأ القرآن إلى الجزء العاشر» و لا توجد في البين قرينة فإنّه يتساءل: هل تجب قراءة الجزء العاشر أيضاً أو لا؟
ثمّ إنّ الظاهر أنّ الأصل العملي في صورة الشكّ و الإجمال و فقد القرينة هو البراءة لا الاستصحاب، لأنّ من أركان الاستصحاب وحدة الموضوع، و لا إشكال في أنّ ما بعد الغاية موضوع آخر غير ما قبلها، و لا أقلّ في أنّه كذلك في أكثر الموارد.
بقي هنا شيء
و هو كلام شيخنا المحقّق الحائري (رحمه الله) في الدرر: فإنّه قال: «التحقيق في المقام أنّ الغاية التي جعلت محلًا للكلام في هذا النزاع لو كان المراد منها هو الغاية عقلًا أعني انتهاء الشيء فهذا مبني على بطلان الجزء غير القابل للتقسيم و صحّته، فإن قلنا بالثاني فالغاية داخلة في المغيّى يقيناً فإنّ انتهاء الشيء على هذا عبارة عن جزئه الأخير، فكما أنّ باقي الأجزاء داخلة في الشيء كذلك الجزء الأخير، و إن قلنا بالأوّل فالغاية غير داخلة لأنّها حينئذٍ عبارة عن النقطة الموهومة التي لا وجود لها في الخارج ...» ثمّ ذكر احتمالًا ثانياً و هو أن يكون محلّ النزاع مدخول حتّى و إلى، و أن لا يكون غاية عقلًا، و فصّل بين ما إذا كانت الغاية قيداً للفعل (للموضوع) و ما إذا كانت قيداً للحكم [١]. (انتهى محلّ الحاجة).
أقول: الإنصاف أنّ المسألة لفظيّة لا تناسبها و لا ترتبط بها مسألة عقليّة، فلا مجال لما ذكره في الشقّ الأوّل من كلامه.
[١] راجع درر الفوائد، ص ٢٠٥، طبع جماعة المدرّسين.