أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٦٩ - مسألة البداء
سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا» [١] هذا بالنسبة إلى معناه اللغوي، و أمّا بالنسبة إلى الباري تعالى فقد وردت روايات كثيرة تدلّ على أنّ البداء في أمر اللَّه من الامور المسلّمة التي يترادف الاعتقاد به الاعتقاد بالتوحيد، و نحن نشير هنا إلى عدد منها:
١- ما رواه زرارة عن أحدهما ٨ قال: «ما عبد الله عزّ و جلّ شيء مثل البداء» [٢].
٢- ما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد الله ٧ قال: «ما عظّم اللَّه عزّ و جلّ بمثل البداء» [٣].
٣- ما رواه مرازم بن حكم قال: سمعت أبا عبد الله ٧ يقول: «ما تنبّأ نبي قطّ حتّى يقرّ للَّه تعالى بخمس: بالبداء و المشيئة و السجود و العبوديّة و الطاعة» [٤].
٤- ما رواه زرارة و محمّد بن مسم عن أبي عبد الله ٧ قال: «ما بعث اللَّه نبيّاً قطّ حتّى يأخذ عليه ثلاثاً: الإقرار للَّه بالعبوديّة و خلع الأنداد و أنّ اللَّه يمحو ما يشاء و يثبت ما يشاء» [٥] إلى غير ذلك.
و بالجملة لا إشكال في أصل ثبوت البداء، إنّما الكلام في تفسيره، و قد يفترى على الشيعة الإماميّة بأنّهم يعتقدون بأنّ البداء في اللَّه هو أن يظهر له ما كان مجهولًا له، أي أنّ البداء ظهور الشيء بعد الخفاء و حصول العلم به بعد الجهل، أو أنّه بمعنى الندامة، مع أنّ هذا إفك عظيم و تهمة واضحة و شطط من الكلام لا يقول به من فهم من الإسلام شيئاً، و لذا أنكر علماؤنا ذلك من الصدر الأوّل إلى اليوم خصوصاً الأكابر منهم كالشيخ الصدوق و الشيخ المفيد رحمهما الله، و رواياتنا أيضاً تدلّ على امتناع هذا المعنى على اللَّه، مثل ما رواه أبو بصير و سماعة عن أبي عبد الله ٧ قال: «من زعم أنّ اللَّه عزّ و جلّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرءوا منه» [٦].
فما هو التفسير الصحيح للبداء؟
إنّ معنى البداء الذي نحن نعتقده مبنيّ على آيتين من سورة الرعد، و هما قوله تعالى: «لِكُلِ
[١] سورة الجاثية: الآية ٣٣.
[٢] بحار الأنوار: ج ٤، باب البداء و النسخ، ح ١٩.
[٣] المصدر السابق: ح ٢٠.
[٤] المصدر السابق: ح ٢٣.
[٥] المصدر السابق: ح ٢٤.
[٦] المصدر السابق: ح ٣٠.