أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٤ - ٢- الكلام في مفهوم الوصف
أحدهما: أنّ معنى كون شيء قيداً لموضوع حكم هو أنّ ذات الموضوع غير قابلة لتعلّق الحكم بها إلّا بعد تقيّده بهذا القيد و اتّصافه بهذا الوصف، فيكون القيد أو الوصف حينئذٍ متمّماً لقابلية القابل، و هو في الحقيقة عبارة اخرى عن معنى الاشتراط، فترجع القضيّة إلى القضيّة الشرطيّة لبّاً، و بما الظاهر دخل هذا القيد بخصوصه و بعنوانه الخاصّ (إذ لازم دخل قيد آخر أن تكون العلّة و الشرط هو الجامع بين الشرطين لأنّ الواحد لا يصدر إلّا من الواحد، و هو خلاف الظاهر) فلا محالة ينتفي سنخ الحكم بانتفائه و هو معنى المفهوم.
و لكن يرد عليه:
أوّلًا إنّه مبني على قبول قاعدة الواحد، و قد مرّ عدم جريانها في الامور الاعتباريّة أصلًا و عكساً.
و ثانياً: إنّ علّة الأحكام إنّما هي إرادة المولى لا غير كما مرّ مراراً.
ثانيهما: أنّ للإنسان في بيان مقاصده و ما ليس مقصوداً له طريقين: فإنّه تارةً يصرّح باسم المقصود و يجعله بعنوان موضوعاً لحكمه، و هذا يتصوّر فيما إذا كان للمقصود اسم خاصّ، و اخرى لا يكون له اسم خاصّ فيتمسّك بذيل القيود و الأوصاف فيذكر مقصوده أوّلًا بنحو كلّي ثمّ يقيّده بقيد بعد قيد حتّى يبيّن مراده بتمامه و يخرج ما ليس بمقصوده، ففلسفة القيود حينئذٍ هو بيان المقصود و إخراج ما ليس بمقصود، و هذا معنى احترازيّة القيود، و لازمها الانتفاء عند الانتفاء و هو المراد من المفهوم.
و لكن يمكن الجواب عنه أيضاً بأنّ غاية ما يقتضيه هذا البيان و ما سبقه هو ظهور القيد في أنّه دخيل في موضوع الحكم و مقصوده، و أنّ الحكم غير ثابت و مقصوده غير حاصل إلّا مقيّداً بهذا القيد لا مطلقاً، و لا يقتضي نفي الحكم عن حصّة اخرى من ذات الموضوع و لو بملاك آخر و بقيد آخر، و بعبارة اخرى: مجرّد أخذ القيد في العنوان لا يكون دليلًا على كونه احترازيّاً، نعم لو علمنا من القرائن الحاليّة أو الكلاميّة كون المتكلّم بصدد الاحتراز كان للقيود مفهوم حتّى للألقاب.
و منها: فهم أهل اللسان- و لعلّه أحسنها- فإنّ أهل اللسان يفهمون من الوصف المفهوم في موارد مختلفة كما فهم أبو عبيدة فيما رواه عن رسول اللَّه ٦ «ليّ الواجد بالدين يحلّ عرضه