أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٢٠ - المسألة الثانية في أحكام التجرّي
الوجه السادس: ما نقله المحقّق النائيني (رحمه الله) عن السيّد الشيرازي الكبير سيّد أساتذتنا، و هو مركّب من أربع مقدّمات:
الاولى: أنّ وظيفة المولى إرسال الرسل و إنزال الكتب، و وظيفة العبد وجوب الإطاعة بحكم العقل.
الثانية: أنّه فرق بين حسن الطاعة و قبح المعصية، و بين حسن الإحسان و قبح الظلم، لأنّ الأوّلين يرتبطان بسلسلة معاليل الأحكام و الأخيرين يرتبطان بسلسلة علّلها.
الثالثة: أنّ المناط في حكم العقل باستحقاق العقاب هو ارتكاب ما يعلم مخالفته للتكليف لا ما يكون مخالفاً واقعاً، فالمهمّ إذن هو العلم بالتكليف لا إصابة ذلك العلم للواقع و إلّا لتعطّلت الأحكام حيث لا يمكن إحراز الإصابة في مورد، وعليه فالمتجرّي و العاصي على حدّ واحد من حيث وجود مناط استحقاق العقوبة فيهما.
الرابعة: أنّ الميزان في استحقاق العقوبة إمّا القبح الفعلي أو الفاعلي، و الأوّل واضح البطلان إذ يلزم استحقاق العقاب على شرب الخمر واقعاً باعتقاد أنّه خلّ، فيتعيّن الثاني، و هو في المتجرّي و العاصي على حدّ سواء.
أقول: أوّلًا: لا دخل للمقدّمة الاولى و الثانية في المقام مع صحّتهما في أنفسهما كما لا يخفى.
و ثانياً: يصلح كلّ من المقدّمة الثالثة و الرابعة أن يكون برهاناً مستقلًا على استحقاق المتجرّي للعقاب.
و ثالثاً: (بالنسبة إلى قوله في المقدّمة الثالثة) المناط في حكم العقل باستحقاق العقاب ليس هو العلم بالتكليف فقط بل إنّنا نختار أنّ الإصابة للواقع أيضاً شرط، و لكنّها حاصلة لدى المتجرّي في نظره لأنّ القاطع يرى قطعه مطابقاً للواقع، فهو دائماً يحرز التكليف و يرى نفسه مستحقّاً للعقاب على تقدير المخالفة فلا يلزم تعطيل الأحكام.
و رابعاً: قوله في المقدّمة الرابعة مبني على انقسام القبح إلى خصوص الفعلي و الفاعلي مع إنّا نختار وجهاً ثالثاً، و هو كون الميزان مجموع القبحين، فتكون التفرقة بين العاصي و المتجرّي صحيحة بلا لزوم إشكال.
فظهر إلى هنا عدم وجود دليل على حرمة المتجرّي و استحقاق العقاب عليه.