أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٩ - المسألة الثانية في أحكام التجرّي
استحقاق المصيب، و هذا ممّا لا يتفوّه به أحد، و الرابع عكس الثالث و هو يستلزم الترجيح بالإصابة التي هي خارجة عن الاختيار، و هو محال، فيتعيّن الاحتمال الأوّل، و هو استحقاق كلا الفردين للعقاب، فيثبت حينئذٍ حرمة التجرّي.
و جواب هذا الوجه أيضاً معلوم، و هو إنّا نختار الاحتمال الرابع و نلتزم بالتفاوت و الترجيح المذكور، فإنّه لا إشكال في أنّ عدم العقاب لأمر غير اختياري ممّا لا استحالة فيه، نظير عدم العقاب الناشئ من تعطيل مراكز الفساد الخارج عن اختيار المكلّفين، بل الإشكال ثابت في العقاب لأمر غير اختياري.
الوجه الرابع: روايات سيأتي ذكرها و تدلّ على أنّ نيّة المعصية معصية كما يأتي أيضاً الجواب عنها.
الوجه الخامس: (و لعلّه العمدة) الوجدان، حيث إن الوجدان قاضٍ بأنّ من تجرّى على مولاه فقد هتك حرمة مولاه و خرج عن رسم العبوديّة و هو يوجب الاستحقاق للعذاب.
و جوابه: أنّ التجرّي على قسمين: تارةً يكون المتجرّي في مقام الهتك على المولى، و لسان حاله أنّي افعل هذا عناداً و هتكاً و معارضة للمولى، و هذا قد يكون سبباً للكفر فضلًا عن الفسق.
و اخرى ليست نيّته الهتك و المعارضة بل يقول: غلبني هواي و يقرّ و يعترف على تقصيره كما ورد في دعاء أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين ٧: «إلهي ما عصيتك حين عصيتك و أنا لربوبيتك جاهل و لا لأمرك مستخفّ بل خطيئة عرضت لي و سوّلت لي نفسي و غلبني لي هواي» فإنّ هذا ليس هتكاً قطعاً، حيث إن الهتك من العناوين القصديّة، و العاصي في هذه الصورة ليس قاصداً للجرأة على مولاه.
و من هنا يعلم أنّ من قصد قتل مولاه و لم يقتله كمن صبّ السمّ مثلًا في طعامه و لكن لم يأكله اتّفاقاً فإنّه إنّما يعاقب من باب الهتك و الجرأة و المعارضة و انطباق عناوين قصديّة محرّمة على فعله لا من باب التجرّي في مصطلح الاصوليين، و بعبارة اخرى: موضع النزاع في ما نحن فيه هو المتجرّي في مصطلح الاصوليين أي مطلق من نوى حراماً و أتى بمقدّماته و لم يصبّ الواقع، لا المتجرّي في اللغة الذي يلازم الجرأة و الهتك، بل أنّه خارج عن محلّ البحث، و كأنّه وقع الخلط بين المعنيين في كلام المحقّق الخراساني (رحمه الله).