أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٩٤ - الفصل الثالث التمسّك بالعام في الشبهات المفهوميّة للمخصّص
ظاهراً في كليهما لانفصال المخصّص عنه و انعقاد الظهور له في الجميع و لكن لا يكون حجّة في شيء منهما لأنّهما من أطراف العلم الإجمالي، و أصالة التطابق بين الإرادتين بالنسبة إلى أحدهما تعارض أصالة التطابق الجارية في الآخر، كما أنّه لا يكون الخاصّ أيضاً حجّة في شيء منهما، فاللازم حينئذٍ هو الرجوع إلى الأصل العملي و مقتضاه مختلف باختلاف المقامات.
أمّا إذا كان إجماله لأجل الدوران بين الأقل و الأكثر فدليله على جواز الرجوع إلى العام فيه أنّ العام ظاهر في القدر الزائد و حجّة فيه، أمّا ظهوره فيه فواضح لجهة انفصاله عن الخاصّ، و أمّا حجّيته فيه فلأنّ الثابت من مزاحمة الخاصّ لحجّية ظهور العام إنّما هو في المتيقّن منه لا في غيره، فيكون العام حجّة فيما لا يكون الخاصّ حجّة فيه، و تكون أصالة التطابق جارية فيما لم يثبت خروجه عن الإرادة الجدّية.
و هنا بيان آخر ذكره في التهذيب لعدم جواز التمسّك بالعام في المخصّص المتّصل بكلا قسميه، و هو «أنّ الحكم في العام الذي استثنى منه أو اتّصف بصفة مجملة، متعلّق بموضوع وحداني عرفاً، فكما أنّ الموضوع في قولنا «أكرم العالم العادل» هو الموصوف بما هو كذلك فهكذا قولنا: «أكرم العلماء إلّا الفسّاق منهم» و حينئذٍ كما لا يجوز التمسّك بالعام كقولنا: «لا تكرم الفسّاق» إذا كان مجمل الصدق بالنسبة إلى مورد، كذلك لا يجوز في العام المتّصف أو المستثنى منه بشيء مجمل بلا فرق بينهما» [١].
فملخّص كلامه: أنّ عنوان العام في المتّصل يتبدّل إلى عنوان آخر، فعنوان العام في مثل «أكرم العلماء إلّا الفسّاق» يتبدّل إلى عنوان «العالم غير الفاسق» و لا إشكال في عدم جواز التمسّك بالعام في الشبهة المفهوميّة لنفس العام.
أقول: و في كلامه مواقع للنظر:
الأوّل: ما عرفت سابقاً من أنّ الاستثناء بإلّا يرجع إلى تقييد الحكم لا إلى تقييد الموضوع.
الثاني: أنّه قد مرّ أيضاً مختارنا في الاستثناء بكلمة «إلّا» و قلنا إنّ التصرّف فيها أيضاً تصرّف في الإرادة الجدّية فقط، فالتخصيص بها و بالمخصّص المنفصل سيّان في الحكم و في عدم تبدّل عنوان العام إلى عنوان مضيّق.
الثالث: ما أفاده شيخنا الحائري (رحمه الله) في الدرر من «أنّه يمكن أن يقال: إنّه بعد ما صارت
[١] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ١٤، طبع مهر.