أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٧٤ - الأمر الأوّل في تعريف العام و الخاصّ
و هو المعنى المركوز في الأذهان من العام أوضح و أجلى ممّا عرف به و لذلك يجعل المقياس في النقض على التعريف عكساً أو طرداً صدق ذلك المعنى المركوز و عدم صدقه، فإن صدق المركوز على مورد و لم يشمله التعريف فيشكل عليه بعدم العكس، و إن لم يصدق هو على مورد و قد شمله التعريف فيشكل عليه بعدم الطرد.
الوجه الثاني عدم كون العام بمفهومه العام الشامل لجميع أفراده و مصاديقه محلًا لحكم من الأحكام كي يجب تعيين مفهومه و تحديد معناه فيترتّب عليه حكمه الخاصّ، بل الأحكام إنّما هو لمصاديق العام و أفراده، و المصاديق كلّها معلومة واضحة.
أقول: أوّلًا: قد مرّ كراراً أنّ مقصود القوم في تعاريفهم للألفاظ هو بيان حقيقة الشيء أو ما يكون كالماهيّة في الامور الاعتباريّة فيكون التعريف حقيقيّاً، كما يدلّ عليه تصريحهم بأنّهم بصدد تعريف الحقيقة و الماهيّة، و أنّ القيد الفلاني هو لإخراج كذا أو لادخال كذا تحفّظاً على عكس التعريف و طرده، و هكذا جميع التعاريف التي تذكر في العلوم لموضوعاتها و موضوعات مسائلها.
ثانياً: المقصود من هذه التعاريف هو المبتدئ في هذه العلوم حتّى يعرف موضوعات المسائل التي يبحث عنها في العلم لا العلماء البارعون في هذه الفنون حتّى يقال: إنّهم أعرف بمفاهيم هذه الألفاظ، هذا بالنسبة إلى الوجه الأوّل ممّا ذكره في كلامه.
أمّا الوجه الثاني: ففيه: إن كان المراد منه عدم أخذ عنوان العام في لسان الآيات و الرّوايات فهو كذلك، إلّا أنّه لا يستلزم عدم الحاجة إلى تعريف العام تعريفاً حقيقياً، لأنّ الداعي إلى تعريف الألفاظ الموجودة في علم الاصول ليس لأنّها مأخوذة في لسان الأدلّة، بل الداعي إنّما هو ترتّب سلسلة من الأحكام العقلائيّة أو العقليّة عليها في نفس هذا العلم (علم الاصول) كالأحكام التي تترتّب مثلًا على تعريف عنوان الاجزاء أو عنوان المشتقّ أو الحقيقة الشرعيّة و الحقيقة اللغويّة، و كذلك سائر العناوين المطروحة في هذا العلم، و إن كان المراد إنكار انطباق أحكام على خصوص عنوان العام في نفس علم الاصول فهو ممنوع لأنّ بعض الأحكام يترتّب على نفس هذا العنوان كالبحث عن أنّه هل للعام صيغة تخصّه؟ أو أنّ العام حجّة قبل الفحص أم لا؟ و غيرهما من المباحث المنطبقة على عنوان العام.